العمل الميداني

منذ سنين بعيدة كنتُ أرفضُ القبيلة رفضا باتا ً بحيث لم أكترث لأي أمر من امورها،لا اذهب إلى مجالس عزاءها ولا أعراسها...لا اُشاركُ في إنتصاراتها ولا في هزائمها. فلقد كانت قطيعة تامة بيني وبينها. وكان المرحوم أبي هو وحده المهتم بشؤونها وهو بدوره لم يطلب مني شيئا ً أعمله تجاهها لأنه كان يرى بغضي ومقتي لها.

 هذا كان حتى توفي أبي وقد كنت غير مُلم ٍبخريطة القبيلة وما يكتنفها من امور قبلية بينما أتت هي لتحدق حولي إما للمساعدةِ أو لحاجة في نفس يعقوب...وجلسوا معي لتحديد من "يُحسّن او يـُزيّن" وحددنا ذلك الشخصَ ومضت ساعاتٍ فإجتمع الناس ونـُوديَ بهِ وتقدم ليؤدي الطقس العشائري وإذا برجل من رجال القبيلة يعترض طريقه ويهددهُ كي يتراجع عما يقصد فعله...ونشب الخلاف والعراك الى التحزبات والتشتتات...

بعد مراسم العزاء (الفاتحة) وجدتُ نفسي بين ثلاثة أحزاب متخاصمات وكل حزبٍ بما لديهِ راض ٍفينفثُ الكراهية والخصام ضد الآخر...ترى لماذا وعلى أي مال ومنال توجد لدينا هذه الخلافات والخصومات...الحقيقة لقد صدّعت رأسي مثل هذه الأسئلة...ويزعجني جدا أن أرى أبناء اُسرة واحدة هکذا يتخاصمون ويتناحرون وعلى أتفه الامور...

كان رأي ومن زمن بعيد أن تتحول القبيلة إلى ضربٍ من المؤسسات المدنية تسودها المحبة والوئام والاحترام من أجل تقديم خدمات متنوعة ومتعددة للمواطنين...لكن وللأسف الشديد أني كنتُ مجرد حالم يحلقُ بأجنحةٍ جميلة قوية في سماء الخيال...وأخيرا ًلقد أدركتُ أن القبيلة والقبلية متجذران حد النخاع في جسم مجتمعنا ولا نستطيع التخلص منهما إلا بالعمل الجاد التدريجي..

بناءا على هذه الرؤيةِ وما شعرتُ بمسؤوليةٍ إجتماعية ومخافة َأن تحدث اُمور من أمثال حادثة التزيان في تأبين أبي وأخرى جاهلياتٍ مضرات...قمتُ بمشروع ؛ وهو عقد جلسات بين شباب العشيرة وبقصد المصالحة وإزالة الخلافات فيما بينهم، فأسسنا لجنة شبابية هي أقرب إلى فهم العصر ومتطلباته، ثم أنشئنا صندوق توفير للحوادث الطارئة ومساعدة المحتاجين من أبناء الاسرة...

لم أقل أني أنجزتُ شيئا ًلكن لا بأس بما حصلت من نتائج، فإني مادمت بينهم لسوف اُحاول التوكيد على مفاهيم كثيرة إعتقدتها وإمتزجت بدمي وبنت لحمي مثل المواطنة والديمقراطية والعقلانية والاخوة...لربما شاء الله وساعد في نشر أكثر لکذا ثقافة...

هذه التجربة أبانت لي أن شطب المشاكل بجرة قلم أو لفظة فم لا تحل أصغرها...بل تبقى حية وفاعلة لتطلق سهامها في كل حين...فالمفروض هو الاصلاح الميداني التدريجي ودون تجاهل او فقد الاهداف المثالية والطموح إلي تحقيق الاحلام، فالاحلام لا تحتاج الا سلماً وحركة من تحت الى الاعلى.

 المصدر مدونة الليل ع.ع

02-01-2010