مزار أبي

ع.عبدالحسين - مدونة الليل

يوم الخميس يومٌ مريرٌ لي ، اُمي تذهب لقبر أبي هي و الطفلان ؛ حسن و حسين ، تجلس هناك فتبكي لساعات ، لحد الآن لم استطع منعها من هذا العمل فأدعها لشأنها .

أنا في الواقع لا اُحب المقبرة و لا البكاء على الاموات ، لكن إن لم أذهب الى قبر أبي تزعل مني والدتي كثيراً ، لهذا احاول الذهاب بين الحين و الآخر .

هذا الخميس ذهبت الى زيارة قبر أبي .. جلست و تأملت كثيراً في هذه الحادثة و هي اكبر حادثة في حياتي ، و تعجبت كيف الإنسان يغيب و تغيب معه اشياء كثيرة مثل ؛ محبته صوته صورته حماسه ... في اسرع من البرق يصير أثرا بعد عين.

تصفحتُ اوراق حياتي معه و للأسف لم أجد الكثير من الذكريات الجيدة ... ما أدري لربما كان القصور مني لأني كنت و ما زلت اتمتع بروحيات و أفكار خاصة تجعلني غير مندمج في الآخرين.

كل ذکریاتي المسجلة و الثابتة منه في دماغي هي تلك التي حدثت في صغري و في قرية الرحمانية في المحمرة ، و أما بعد مجيئنا للأهواز حتى وفاته صار بيننا شرخٌ عاطفي فصل الأب عن الإبن ، و هذا ما يجعلني أن أتوق اليه أكثر .

أذکر و أرى ذلك اليوم الذي كنتُ واقفا على شاطئ نهر كارون و انظر الى رجال القرية كيف كانوا يحفرون حوضاً او قناة كما كانوا يسمونه و كان ابي بينهم يعمل بكل جد و اخلاص و بعد إنهاء الحفر سبحوا معا ً في نهر كارون ، أذكر لما أخذني معه في المياه و سبحنا معاً .

أذکر لما ضربني إبن شريك أبي كيف أخذت أبي العاطفة و ضربه أمام ابيه فإغتاظ الرجل ، و أبي لم يكترث له...

أعرف أني فقدت إنسانا ً لم أحصل على مثله أبدا ً ، بعده لن أجد من يحبني مثله ، في الحياة قلما نجد من يخلص بحبه لنا لكن نحن لا نقدّره في حال إيجاده ، ويبقى الأب خاطرة لا تتكرر أبدا ً مع أحد .

كنتُ أنظر إلى صخرة القبر ، و أتساؤل بحسرة كيف سكن أبي هذه الظلماء ؟ و كيف زُرعت صورته بين قبور موحشة ؟ و كيف يـُنسى بعد ما كان حاضراً في كثير من القلوب و الألسن؟

موت أبي تجربة ثقيلة الوطأة على قلبي ، يجب أن أعتبر منها غاية الإعتبار، إن الموت آتٍ لا محالة ، ولسوف نذهب الى دار اُخرى فلا نأخذ معنا الا اعمالنا و لا نترك الا المحبة فعلينا أن نعمل الكثير من الصالحات و نزرع المحبة حقولا حقولا.

02/05/2009