جفيتنا بكَعة - الحلقة الثانية                                      

راية الطرفي

المصدر:مجلة نيسان العدد الخامس

 

"ولتبقى جفيتنا بكَعة, فالهدف ليس مذهبيا بقدر ما هو سياسي."

بهذه الجملة انتهت الحلقة الاولى من مقال جفيتنا بكَعة الذي اثار بعض المخاوف لدى الاخوة الاهوازيين والذين راسلوا المجلة مشكورين معربين عن رفضهم لطرح قضية التسنن في الأهواز على الاعلام خشية ان تتسبب "مقالتي المتواضعة" باثارة الفتنة في وسط الشارع الأهوازي(!).واليكم احدى هذه الرسائل-كما وردتنا- من احد الاخوة الذي عرف نفسه بـ"احد ابناء السنة في الخليج":

 

((سلام عليكم اختي الكريمة راية الطرفي ارجو منك عدم اثارة المواضيع الطائفية والمذهب الذي تسمينة  مستورد مذهب اجدادناء وعروبتنا لم تنطبق مع المذهب الشيعي لحيث مذهب شعوبي فارسي مصطنع مبني علي كره الصحابه ويحرك من قبل شرذمة فارسية (مراجع التقليد) الرجاء ثم الرجاء عدم فتح المواضيع الطائفية ثانية وشكراً ارجو ان تسألي عن شهدا الاهواز ماهو مذهبهم وبعدين يحق لك ان تبدي ابرايك.))

 

وقد اجبت الاخ الكريم في وقتها بالآتي :

 

((وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

اود بالبداية ان اشكركم على اهتمامكم وقرائتكم لمقالي المتواضع...

اما بخصوص النقد الموجه لي او رسالة العتب فيا اخي الكريم...عتبك على العين وعلى الراس ولكن في حالة اذا كنت انا قد تطرقت للموضوع من زاوية دينية مذهبية...اي اذا كنت قد كتبت ضد التعاليم الدينية والمذهبية السنية...ولكني قد كتبت عن المدلولات السياسية للتحول المذهبي في الاهواز...ولا يخفى على احد ان المذهب الشيعي هو المذهب الغالب لشعبنا العربي الاهوازي والتحول المفاجئ الذي طرأ على الساحة الاهوازية هو بفعل مدلولات سياسية اكثر منها مذهبية دينية,وبالنسبة للمذهب الشيعي لست مدافعة عنه ولاني ضد المذهب السني ولكني ضد زرع الفتنة بين الشعب الاهوازي...ومن قال ان التشيع هو مذهب شعوبي فارسي مصطنع؟؟؟وعموما بالنهاية تبقى الساحة الاعلامية مفتوحة امام الجميع ومن حق اي شخص ان يكتب افكاره ومعتقداته السياسية و..الخ علما ان المقال الذي نشر ماهو الا مقدمة لسلسلة مقالات لاحقة

شكرا لك من جديد

تحياتي وتحيات اسرة تحرير نيسان

راية الطرفي))

 

فاود ان اوضح للأخ الكريم انني لم احاول ابدا طرح القضية من منطلق ديني-مذهبي إنما ما وددت طرحه هو سلبيات الفتنة التي قد تنتج نتيجة لنشر المذهب السني في الأهواز.ولست ابدا ضد اي مذهب انطلاقا من ايماني التام بالمادة 18 من الاعلان العالمي لحقوق الانسان والتي تنص على :

 

"لكل شخص الحق في حرية التفكير والضمير والدين، ويشمل هذا الحق حرية تغيير ديانته أو عقيدته، وحرية الإعراب عنهما بالتعليم والممارسة وإقامة الشعائر ومراعاتها سواء أكان ذلك سراً أم مع الجماعة."

 

ومما يثبت كلامي الدراسة التي نشرت على جريدة السياسة الكويتية بتاريخ 16 نوفمبر 2007 وايضا نشرناها في العدد الاول والثاني من مجلة نيسان,والتي تضمنت شرحا مختصرا لاوضاع الاقليات العرقية والمذهبية والدينية في ايران.وقد ذكرت في هذه الدراسة المعاناة التي يعيشها ابناء المذهب السني في عموم ايران وفي طهران خاصة حيث ان طهران وحدها فيها مليون سني بلا مسجد واحد وبالمقابل يتمتع اليهود بحقوق لممارسة شعائرهم الدينية بحرية.وقد اتهمني البعض وقتها بالترويج للمذهب السني الّا اني حاولت في حينها ذكر الحقيقة فقط.وكانت الطائفة السنية موضوع الدراسة تشمل عموم ايران وليس الأهواز.

 

ومن هذا المنطلق فإنني لست ضد المذهب السني بحد ذاته,انما يأتي اعتراضي على ادخال تغييرات على التكوين الاجتماعي والثقافي للمجتمع العربي الأهوازي من شانها زعزعة تجانس هذا الشعب والعمل على اثارة الفتن الطائفية المذهبية التي لم يشهدها اقليم الأهواز حتى الآن.

 

وبالعودة لموضوعنا الرئيس لا يفوتنا القول ان محاولة تسنين الشباب العربي الاهوازي جائت في البداية لتمييز الشعب الأهوازي عن الشعب الفارسي,فالبعض الأهوازي يعتقد انه قادر على الحفاظ على كيان الشعب الأهوازي الخاص بزيادة نقاط التمايز بينه وبين الفرس المستوطنين في الاقليم.فلم يكتف هؤلاء بالتمايز العرقي واللغوي والتاريخي والثقافي بل ارادوا زيادة عاملا اخرا للتمايز وهو التمايز المذهبي هذا من جهة ومن جهة اخرى يحاول الداعون للتسنن,قطع الارتباط المذهبي الروحي بين الشعب الأهوازي والنظام الايراني الذي يتخذ من المذهب الشيعي غطاء لتمرير سياساته القومية العنصرية ولكنهم بالطبع لا يعلنون عن هذه الاهداف,انما يعلنون اسبابا مغايرة تماما فإنهم يخفون هدفهم السياسي ويعلنون بدلا عنه هدفا مذهبيا بحتا.

 

فما يعلنون عنه دعاة التسنن في الاهواز كسبب لنشاطهم هذا هو ان المذهب السني هو المذهب الاصيل للشعوب العربية وان التشيع جاء متلازما مع سياسات التفريس التي انتهجتها النظم الايرانية المتعاقبة متناسين اولا ان الأهواز تشيّعت قبل ايران وثانيا ان هناك شعوبا عربية في منطقة الشرق الاوسط من ابناء الطائفة الشيعية لم يتعرضوا لهذه السياسات ولم يكن لايران دورا في تشيّعهم,وبالطبع لا اريد ان اقول هنا ان الشيعة في الدول العربية غير متصلين بايران فقد يكون بعض ابناء هذه الطائفة في الدول العربية موالين لها ولكن لم يأتي تشيّعهم نتيجة لسياساتها والامران مختلفان تماما.

 

أما بخصوص الحالة الأهوازية,فلا يهمنا الرجوع الى تاريخ نشاة المذهب الشيعي في الاقليم  وقد نتطرق له لاحقا الا ان ما يهمنا في هذه الحلقة هو الحاضر.فالحقيقة هي ان شعبنا يعتنق المذهب الشيعي,وقد استطاع هذا الشعب ان يتغلب على الاشكالية التي تعاني منها-بعض عناصر- الطائفة الشيعية في الدول العربية وهي اشكالية اقتران مذهبهم بالولاء لايران.فقد استطاع الشعب الاهوازي ان يحافظ على مذهبه الشيعي وان يكون بنفس الوقت مناهضا لسياسة النظام الايراني الذي يضع عمامة الشيعة ولكنه يتحدث بلغة الفرس الكارهين للعرب والاسلام.وظل هذا الشعب رافضا للخضوع للانظمة الايرانية المتعاقبة على دفة الحكم في ايران وهذا ما يتجلى واضحا في انتفاضاته المتكررة منذ عام 1925 الى يومنا هذا,فلو كان المذهب الشيعي عائقا امام نضال الشعب العربي الاهوازي ضد نظام شيعي فلماذا خرج الاهوازيون محتجين على سياسات هذا النظام؟!

 

أن ما جعل الاهوازيين يقفون ضد السياسات الايرانية,وعدم الانصياع لها والذوبان في بوتقة التفريس هو انهم اكتشفوا وفي وقت مبكّر ان شعار الدفاع عن المذهب الشيعي والطائفة الشيعية الذي ترفعه ايران ما هو الّا تمويه لتمرير سياسات فارسية عنصرية في المنطقة والاستيلاء عليها,ان الاهوازيين يعلمون تماما ان ما يعانون منه من اضطهاد ليس بسبب مذهب ولا بسبب دين,انما هو بالدرجة الاساس بسبب السياسات العنصرية التي تريد بها ايران التمدد اكثر واكثر في المنطقة.

 

الصراع الدائر بين الشعب العربي الأهوازي والنظام الايراني الحاكم بقوة السيف والنار هو صراع وجود,صراع هوية,صراع حقوق قومية,صراع اغتصاب ارض وليس صراعا مذهبيا وبادخالنا عامل الصراع المذهبي على هذا النضال سنعمل على التشويش على صراعنا الرئيس وهو حقنا في تقرير مصيرنا ومصير اقليمنا.بل سنزيد الطين بلّه كما يقولون في الأهواز,فشعبنا باعتناقه المذهب الشيعي لم يسلم من اسياط النظام الجائرة,فكيف لو غيّر مذهبه الى المذهب السني؟؟وتهم العمالة لدول خارجية والترويج الوهابية والارهاب و...الخ الخ ليست ببعيدة عن الاهوازيين,فما انفكت ايران تعلن بمناسبة وبدونها ان النشطاء السياسيين الاهوازيين هم ارهابيون متصلون بقوى خارجية يروجون للفكر الوهابي,وعقوبة تهم كهذه معروفة تماما,فلماذا نعرض شبابنا لخطر الاعتقال والتعذيب والقتل اكثر مما هو معرض له؟

 

نقطة في الختام:

تنبع الامثال الشعبية من واقع المجتمعات واعرافها وتقاليدها,والاهواز ليست مستثنية من هذه القاعدة.لدينا مثل اهوازي ينبع من اصالة هذا الشعب وتقاليده وهو "عيسى بدينه وموسى بدينه" ويدل على التسامح الديني وعدم التدخل في معتقدات الاخرين.المشكلة في التوجهات السنية التي نشأت هنا وهناك في الاقليم ولازالت مستمرة في الاهواز ليست اعتناق مذهب مغاير لمذهب المجتمع,انما محاولة تكفير الغير من قبل دعاة التسنن,وهو الامر الخطير الذي سنحاول التطرق له في حلقاتنا القادمة...فانتظروا المزيد.

 06-06-2008