الدراسات الاجتماعية-الثقافةعلي عبدالحسين - مدونة الليل
مازلتُ أعتقد بأننا الاهوازيون لا نمتلك شريحة إجتماعية تـُسمى بالمثقفين. ولو تختلف التعاريف للمثقف من رأي الى آخر، لكن كلها لا تنطبق على ما لدينا من فئة تدعي الثقافة و هي بعيدة عنها. وأكثر ما أقصده في هذا الصدد أننا بلا تاريخ للمثقف. او لانملك تجربة و سابقة في هذا المضمار. كانت الاصلاحات قد أتت بشباب كثيرين هم طلائع للمثقف الاهوازي. لكن فقدان الارضية و السابقة لهؤلاء و المناخ غير المناسب سرعان ما قاد الى إندثارهم. الفعل الثقافي هو فعلٌ بدوافع فردية في الدرجة الأولى، فإن أتى صادقاً إنسانياً يكون نفعه للمجتمع كله. على سبيل المثال أن الشاعر يعبر ان همومه و آلامه فإن كان تعبيره صادقاً بلا زيف و زيادة سوف یأخذ مكانه في قلوب الناس فيدعو الى الاحساس و التأمل. کذلك الموسيقي و المفكر و الكاتب... إن المثقف كائن حرٌ الى حد بعيد، فهو ليس خادماً لمصالح الناس دونما مصالحه و کذلك ليس بخادم مصالح الحكومات. وهو سائرٌ خلف قلبه و ضميره، كإي كائن له مشاعر و منافع و هواجس... ولا ينبغي أن نتصوره موظفاً لدى الحكومة او مهرولا خلف الناس. و يمكن أن يكون موظفاً او عضواً في جماعة لكن هذا ليس في وقت النشاط او الانتاج الثقافي. فرأي المثقف هو خارج الجماعة و الحكومة مستقلٌ عنهما ليرى الحقيقة دون ضباب طقسيهما و أمواج بحريهما. إن المثقف و كما قلنا بشري مثل الجميع، عليه أن يراعي مصالحه و منافعه، و يسير خلفهما لكن لا يتغير جوهره و إن تـُطمس عميقاً و لا تنطفأ جذوته و إن تراكمت عليها تلول الرماد. والمثقف ليس بالضرورة أن يكون منتجاً للثقافة و إنما المثقف من هو في سكوته و إنتاجه يكون مناصراً للإنسان و حقيقته. لربما تجد إنساناً اُمياً يناصر الحق بسكوته او لا يناصر الباطل بقوله فهو مثقفٌ. لكن الحضارات و الثقافات لا تتطور و تبتني بالسكوت و الاُمية، بل تـُبنى بالإنتاج و العِلم. لهذا نطمح و ندعو الى الانتاج الثقافي في كل الاصعدة الاجتماعية، عسى أن تصبح لدينا ثقافة ترفع إنساننا درجاتٍ في الانسانية ليعيش سعيداً. اليوم لدينا كثير من الشباب الذين يهتمون بالشأن العام، ويتداولون كثيرا من قضايا المجتمع ويتطارحون الآراء و الافكار، لكن هذه الآراء والافكار تبقى مجرد كلام يـُقال لملأ الوقت الفارغ، فلا يجب أن نعتبر هذه الظاهرة تدل على وجود مثقفين في المجتمع،بل أن المثقف لا يكتفي بالقول و إنما يقوم بالانتاج ليبني ثقافة. إن الكلام الشفوي لا يبني ثقافة بل أنه لزائل بعد لحظاتٍ. على هذا يجب أن نضع حداً للشفوية فيبادر شبابنا بالكتابة. لأن الكتابة و الانتاج الثقافي هما الدليل على وجود حياة في رئتي المجتمع. أهم مشكلة لدينا هي عدم وجود جامعيين يقومون بوظيفة التنوير ونشر العلم والثقافة،فكم من شبابٍ لدينا هم حاصلون على شهادات عليا لكن لا يقدمون لمجتمعهم شيئاً يمده بالحياة العلمية والثقافية. فلو أنجز كل شاب متخرج في كلية للعلوم الانسانية أثراً واحداً طيلة حياته لكان عندنا الكم الوافر من الانتاجي الثقافي الذي يعطي الشعب هوية ً و إعتزازاً و يوجهه نحواً إنسانياً حياتياً. لما ترك الجامعي واجبه أصبحت الساحة مفتوحة على مصراعيها لكل من هب و دب فحصلت انتاجات او تيارات مغلوطة و متطرفة تضر بكل بـُنى المجتمع. لكل شعبٍ ثقافته. ثقافة الشعب هي تعبيرٌ عن تاريخه القديم و الجديد و آماله و أحلامه و مشاعره و أحاسيسه من أفراح و أتراح ... وبأسلوبه الخاص من التعبير و إفصاح. ثقافة الشعب مرآة للشعب. ان الثقافة هي تجسيدٌ فني وفكري و أدبي لباطن و ظاهر صاحب الثقافة. فلن يصل منتوج ثقافي الى الشعب مالم يكن من ذات الشعب. إذن الانتاج بلغة غير لغة الشعب هو إنتاج لغير الشعب. ونحن لدينا مثقفون ينتجون ثقافة بغير لغة الشعب، فهؤلاء يصعب علينا إعتبارهم من بـُناة الثقافة لنا، وإنما هم بناة لثقافة غير ثقافة شعبهم.
إية لغة لم تـُدرس للأطفال في المدارس هي معرضة للإندثار. والعربية في الاهواز لم تـُدرس منذ تأسيس المدارس الحديثة في زمن البهلوي الاول. مع هذا بقيت العربية صامدة في وجه أخطار الزوال. وهنالك عدة عوامل سببت عدم زوالها، من جملة هذه العوامل عدم تلقي الاغلبية من أبناء الشعب تعليماً حديثاً، فبقيت هذه الاكثرية امية ً لا تجهل الفارسية مما جعل هذه الاجيال الامية تحتفظ بلغتها التي تلقتها تلقاءا عن الاسرة العربية. العامل الثاني الذي ساهم في الحفاظ على اللغة العربية هو الاسلام المحمول بها كتاباً و طقوساً و تاريخاً. فبوجود نظام يروج الاسلام و يشجع على قراءة كتابه و أداء طقوسه ... ساعد في التشجيع على التكلم بها و المحافظة على الكثير من مفرادتها التي تستخدم في الديانة التي هي ديانة رسمية للنظام. العامل الثالثة في مد العربية ببعض الحياة هو أن 60 الى 70% من اللغة الفارسية تتكون من مفردات عربية إضافة على هذا أنها تكتب بالخط العربي،هذا جعل المواطن العربي يتعلم شيئا من العربية خلال تعلمه اللغة الفارسية. أما العامل الرابع هو أن المدارس من الفترة الدراسية الثانية الى مرحلة الديبلم تـُدرس في كل مدن إيران و بشكل عام مادة اللغة العربية لطلابها. لكن هذه المادة تـُدرس ليس بهدف تعليمها للعرب او نشر الادب العربي وإنما تدرسها بهدف تعليم بعض ٍ منها ليتمكن المواطن الايراني من أداء الطقوس الدينيه التي هي باللغة العربية. فجهل المواطن الايراني المسلم باللغة العربية يسبب له مشكلة في أداء طقوسه لهذا تـُدرس اللغة العربية في كل مدارس إيران. إن هذه المادة لا تحتوي إلا على النحو و الصرف و لا يوجد فيها إلا شئ بسيط من الادب العربي. مع هذا أنها ساعدت في إبقاء جذوة اللغة العربية مشتعلة. اللغة العربي في الاهواز لم تـُوضع في صميم الحياة، فهي تـُعتبر في رأي الكثير من أهلها أنها لم تـعد تساعد في الحصول على تعليم و علم و شهادة و بالتالي وظيفة. ثم أن الطفل العربي في ذهابه الى المدرسة يحتاج الى اللغة الفارسية حيث الكتب و المُدرس و كل شئ في المدرسة يتكلم بها. لهذا الكثير منهم يقوم بتعليم اللغة الفارسي لطفله و من صغره حتى لا يواجه مصاعب التعليم. قبل عقود من الزمن رحلت قبائل من عرب الاهواز (عرب الجبل) شمالا نحو مناطق اللور، فعاشوا هناك الى يومنا متخالطين و متصاهرين مع اللور فأصبحوا يتكلمون بلغة لا يفهمها اللور ولا العرب فهي مزيج من اللغتين العربية و اللورية. هؤلاء يضحك منهم العربي الاهوازي و يستهزء بهم، کذلك من يسمعهم من اللور الذين لا يعرفونهم و لم يعتادوهم. مع احترامي لهذه القبائل العربية التي فقدت لغتها فأنا لست في مقام السخرية منهم أبداً، بل أني أصف واقعاً يمكن أن يشهده سائر عرب الاهواز في مستقبل الايام. لتعلم العربية لا توجد صعوبة كبيرة فنحن اليوم لدينا لغة جيدة بمستطاعها أن تكون لغة حياة و تعبير و تفاهم و تواصل. أن اللهجة الشعبية الاهوازية هي من أقرب اللهجات للعربية الفصحى. فلا ينبغي أبداً الاستهانة بها و الاستخفاف من شأنها و قيمتها. أنها تحتوي على أصالة قل نظيرها. وهنا لابد من التأكيد على نقطة هامة جدا و هي أن بعض شبابنا يروغ و يدور من التكلم او الانتاج باللغة العربية بحجة أنه لا يجيدها، وهذا خطأ ذريعٌ طالما أنه يتقن لهجة هي بهذا الجمال و الاقتراب من الفصحى. إذن علينا أن نـُنتج بالهجة الشعبية (إن كنا لم نتقن الفصحى) و لا نستحي و لا نأبى فإنها أكيداً تستطيع أن تكون حمالة لثقافة عصرية إنسانية راقية. كما أشرنا أعلاه أننا لا نجد صعوبة في الانتاج باللغة العربية طالما لدينا شعبية مؤهولة لأن تكون حمالة ثقافة عصرية. و لا يبقى إلا تصحيحها و إنماءها و ذلك متوفرٌ لدينا عبر العوامل التي أعددناها سبباً في بقاءها حية ً. فالدين و النصوص الدينية كالقرآن و الحديث...هي خيرُ مصدر لهذا الغرض کذلك مادة العربية التي تقدم في المدارس ...وهکذا الادب الفارسي و خاصة ً القديم منه بمقدوره أن يضيف الكثير من المفردات و المفاهيم و المصطلاحات الى لهجتنا. إن الدستور الايراني يضمن تدريس اللغات غير الفارسية في المدارس لكن لا يلزم الحكومة على تطبيق هذه المادة. فيجب حث الحكومة لتقوم بتطبيقه فيتسنى للطفل العربي أن يتعلم العربية الفصحى من صغره حتى يجيد التعبير عن شخصيته بشكل أفضل، فيكون أكثر تأهيلا للأنتاج الفني و الثقافي.
لما كانت الحدود بين ايران والعراق مفتوحة، كان التردد طبيعياً، وهناك عشائر عديدة تنقسم على البلدين. فنشأت علاقات تجارية و قرابات مصاهرة وكأن الشعبين من بلد واحد. هذا الوضع كان قد خلق لغة واحدة للشعبين الاهوازي و العراقي. واللغة الاهوازية كانت تستمد الحياة من اختها العراقية لأن العراق بلد عربي و اللغة العربية رسمية هناك وتـُدرّس في كل البلد وتنشر الكتب و الجرائد بهذه اللغة على عكس الاهوازية التي لم تحظى بشئ من هذا القبيل. كان رجال الدين في ذلك الزمان یـٍقیمون صفوفا لتعليم القرآن يـُقالُ لها "مكاتب" فيحضر قليل من الاطفال الذكور ليتعلمون اشياءا من اللغة العربية. کانت هذه الصفوف القرآنية تؤدي دوراً قليلا بسيطا، فيقوم الطفل بكتابة اللغة العربية بشكل إبتدائي كذلك يجيد قرأءة القرآن الى حد ما. ولا نستطيع القول أنها كانت تزيل الامية او تنشر اللغة او الادب العربيين بتاتاً. إن الامية التي سادت برهة من الزمن و لم نزل نراها في اوساط الشعب كانت قد جعلت الشعب يصبح ذا ثقافة شفوية، فكان الشاعر امياً و راوي شعره اميا وهکذا السامع ... لكن مع هذا تجد الامثال و الاشعار و الاغاني و الاهازيج حية ً و سارية ... فتزود اللغة بالحياة. لقد كانت اللغة زمن الانفتاح الحدودي على العراق نقية جميلة حيث يتناقل أفراد الشعب الامثال و الاشعار و الاغنيات فكانت سيدة هي الساحة. ولو أن اللغة العربية الفصحى كانت مغيبة لكن اللهجة كانت تؤدي الدور الجيد فهي التي كانت تشكل و تحمل الفكر و الفلسفة(البدائيين) و الادب و الامثال و ... فكان وصول المـُنتـَج الثقافي يتم عبر ثلاثة قنوات 1-رجال الدين الذین يقرؤون فينشرون ما تسير منه شفوياً 2- الرواة الذین ينقلون الشعر من شعراء اهوازيين او عراقيين 3-الإذاعة العراقية التي كان الناس يلتقطونها فيحفظون منها الشعر و الغناء و...
نشوب الحرب بين العراق و إيران سبب في إغلاق الحدود. وأوجد كراهية و عداءا شديدين بين البلدين. فزالت تلك العلاقات الى حد كبير، ثم أن الهجرة الكبيرة التي أتت بها الحرب جعلت عرب الاهواز يتركون القرى و الارياف ليسكنوا في المدن وضواحيها. فخرجوا من بيئة عربية ليدخلوا بيئة فارسية. هذا الامر جعل العربية الامية تحاصر باللغة الفارسية المدججة بالكتب والجرائد والمدارس و الجامعات والاذعة و التلفزيون...فصارت اللغة العربية الامية التي فقدت الدفاع و المناعة منهكة ً ايما انهاك. لكن وكما أشرنا هناك عوامل ساعدت على عدم زوال اللغة العربية. وإضافة على تلك العوامل تستطيع أن تشير الى وجود شعور قومي إلى حد ما كان يمنع العربي الاهوازي من التهرب عن لغته. وبشكل عام و ابتدائي يستهزء العرب ممن يتكلم بلغة فيها لحن اي توجد فيها مفردات غير عربية. فمن يريد أن يظهر بمظهر المؤدب و المثقف...عليه أن يجيد التكلم النقي والصحيح باللهجة العربية على أقل تقدير. ومن باب آخر تجد من العرب الاهوازيين الذين إستفرسوا او إستعجموا اي تركوا التكلم باللغة العربية او صاروا يلحنون مفتخرين باستخدام اللغة الفارسية او بعض مفرداتها. فهؤلاء تجدهم يستعملون النحو الفارسي بدل العربي للغة العربية او يستخدمون مفردات فارسية في الكلام العربي. و على سبيل المثال لا الحصر يقولون: اسووي تلاش (تلاش فارسية بمعنى الجهد) بدل : ابذل جهدي، او يقولون : اسووي مشورة بدل : استشير. ومن هذا القبيل من الكلام تجد الكثير عند الاطفال والاميين مما يسبب الخوف على اللغة العربية فيتبادر الى الذهن أن توجد في المستقبل لغة كلغة "عرب الجبل" الذین ذكرناهم سابقاً. فقدان اللغة يؤدي الى فقدان الهوية. والانسان بلا هوية يفقد الاعتزاز بنفسه، ومن دون عزة لا تبقى كرامة للانسان. و هذا مرض عضال لا يضر الشعب فحسب بل سوف يضر الحكومة و سائر الشعوب الأخرى. فمن لا يمتلك شخصية سوف يصبح عالة على غيره هذا إن لم يصبح مجرماً يفتك بافراد المجتمع ويسلب الامن والاستقرار. اذن لكي نربي مواطناً صالحاً ينفع و يخدم المجتمع كله لابد لنا أن نعطيعه لغته التي فيها الادب و الثقافة والتاريخ والمجد.. فتتكون في داخله الشخصية و الاعتزاز بنفسه فيعشق الكرامة و يتفاني في الطريق اليها. هذا هو الانسان الذي يحترم الآخر مهما إختلف عنه لوناً و عرقاً .. وهو الذي يبني المجتمع و يحافظ على الاوطان. 15/09/2009
|