|
وجة في
الأحداث
الأمين
بوكريم
يكتبها: حمزة عليان
عام 1971، أي قبل صدور «القبس» بسنة تقريبا طلب منه المرحوم محمد النصف،
وكان وقتها في غرفة التجارة، أن يذهب إلى الدور الثالث في بناية الشايع
ليقابل شخصا ينتظره، ولما التقى به، سأله، ما اسمك: قال: قاسم بيت صيّاح،
وما جنسيتك؟ أجاب: إيراني من الأهواز، أرسلني إليك العم النصف، ثم عرّفه عن
نفسه.. اسمي رؤوف شحوري ومن ذاك اليوم و«أبوكريم» لم يفارق «القبس».
بعد أيام معدودات وبتاريخ 1/1/2010 يكون مضى على تعينه 38 عاماً وبما يزيد
على عمر «القبس» التي صدرت بتاريخ 22 فبراير 1972، وبذلك يكون أقدم موظف في
تاريخ المؤسسة، معاصرا لها منذ أن كانت في المبنى الذي تشغله وكالة مازدا
للسيارات إلى أن انتقلت الى الشويخ.
سيرة «بوكريم» الرجل المنضبط، فيها الكثير من أوجه الاستقامة والوفاء، عاصر
ثلاثة رؤساء تحرير وأربعة مديرين عامين وأربعة مديري تحرير والزملاء الذين
عملوا في «القبس» في مختلف الإدارات والأقسام.
لم يتغير، طريقته، عمله، شخصيته، ما زال بوكريم هو نفسه قبل 38 عاما، يذهب
صباح كل يوم ليأتي بالصحف من المكتبات ويؤدي مهامه الأخرى التي تتطلب الحرص
على الالتزام بالمواعيد وايصال الرسائل الى أصحابها من دون تأفف أو ملل.
عام النكسة، وفي سنة 1967 سأل جماعته الذين كانوا يعملون بالكويت، «يصير
توصلوني الكويت» عندها ودّع أهله واقرباءه في الأهواز، واتجه صوب العراق
ليصل الى الكويت «كعيبر» أي مشياً على الأقدام ومن دون جواز سفر، ليدخل
الأراضي الكويتية بعد أن قضى فترة من شبابه يعمل في زراعة الأرز والقمح
ليعيل والدته بعد أن فقد والده وعمره ثلاث سنوات.
أول معاش تقاضاه كان 27 دينارا كويتيا من شركة عبدالعزيز علي المطوع (وكيل
الفولفو) بعد أن ساعده بذلك أحد اقربائه الأهوازيين الذين سبقوه، لينضم الى
مجموعة العمال في كراج الشركة ويسكن في منطقة شرق في بيوت أحمد الجابر،
وبقي عند المطوع مدة سنتين (1967 - 1969).
بعد أن أصبح وجوده شرعياً بالكويت واستصدر جواز سفر من سفارة ايران قرر
العودة الى الأهواز ليتزوج ابنة عمه من «ماله الخاص»، وهو زواج كلفه في
حينه نحو 100 دينار كويتي حصيلة عمل سنة متواصلة جمعها من كاراج المطوع
وصرفها بالأهواز كلفة الشبكة والنقل والتجهيزات وهو اليوم أب لخمسة أولاد،
يجاهد لتعليمهم والصرف عليهم ويستر حاله وحالهم بالمستطاع وبما قسمه الله
له من نصيب.
عام 1969 انتقل للعمل في غرفة التجارة والصناعة ايام عبدالعزيز الصقر ومحمد
النصف والمدير السوري هيثم ملوح والمستشار ماجد جمال الدين، وبراتب وصل الى
30 دينارا زيادة دينارين عما كان يحصل عليه من شركة المطوع، واستمر بالعمل
بالغرفة لمدة سنة تقريبا في مبناها الاول في السوق ليكون بقرب المرحوم محمد
النصف الذي اختاره ليكون ملازما لأول مدير تحرير لــ «القبس» هو الاستاذ
رؤوف شحوري، وفي مكتب منفرد يؤمن له احتياجاته وطلباته.
كان يحضر كل يوم صحف الرأي العام والسياسة والهدف ليسمع يوما من الاستاذ
شحوري انهم في صدد انشاء صحيفة جديدة، ويوجه له سؤالا، مستفسرا عن نوع
العمل الذي يجب ان يؤديه؟ «مثلما انا الآن، احضر لكم الصحف والبريد وكل ما
تحتاجونه» وهذا ما حصل بعد ان صار عنده «وانيت» اشترتها له الصحيفة، ليقضي
بها اعماله ويصدر له قرار تعيين بتاريخ 1-1-1972 مقابل راتب شهري وصل الى
37 دينارا وبزيادة 8 دنانير عن اول راتب تقاضاه، وبعد مرور اربع سنوات من
وجوده في الكويت.
طوال السنتين من تواجدهم بالسوق، كان «بوكريم» وسيلة الاتصال المتاحة بين
ادارة التحرير ومطبعة مقهوي، حيث تطبع الصحيفة، ولشدة حرصه وامانته كان يضع
المواد الصحفية المكتوبة في دشداشته بعد ان يرفعها الى فوق ويسير فيها
محاذيا للابنية، يسكنه الخوف من ان تتبلل الاوراق بالمطر في الاوقات التي
ينتقل فيها من مبنى الشايع الى دوار شرق.
مازالت ساعة الصفر حاضرة في ذهن بوكريم، عندما حمل مسؤول التوزيع اول اعداد
«القبس» وجاء بها الى التحرير ليلتف حوله من كان متواجدا في حينه، واولهم
المرحوم محمد النصف يسأله، كم طبعت الجريدة؟ قال 5 آلاف عدد، قمنا بتوزيعها
على المكتبات وهي الآن في السوق.
لسانه لا ينقطع عن ذكر المؤسسين والجيل الاول الذي عمل في «القبس» وبقي
منهم الزميل الاستاذ سيد حافظ الذي يحتفظ بالرقم 2 بعد «بو كريم» من حيث
الأقدمية، وعندما يذهب لزيارة أول رئيس تحرير، وهو الاستاذ جاسم النصف،
ينظر إليه بعيون حانية قائلا «اجلس يا قاسم فكلما أراك استرجع شريط
الذكريات في «القبس» الحبيبة، وهذا حاله مع الاستاذ رؤوف شحوري الذي يبقى
دائم السؤال عنه، وعن اول مدير عام هو الاستاذ ذو الفقار قبيسي وعدد آخر من
العاملين في الادارة، والمطابع ومن بينهم الزملاء عمر عودة وعمر الجوهري
وهاني عبيسي وسمير مطاوع وغيرهم كثيرين.
عام 1974 انتقلت «القبس» الى مبناها الحالي في الشويخ، ولم يكن سوى طابق
واحد مع المطبعة، وفي تلك السنة ارسله الاستاذ جاسم النصف الى السيد
عبدالعزيز الشملان مدير عام المرور، ليحصل على اجازة القيادة بعد الاختبار،
وتتعزز مكانته كمندوب لـ «القبس» في الدوائر الحكومية والمؤسسات التي
يزورها بوصفه مندوبا عن «القبس».
38 سنة من العمل الدؤوب والمتواصل، حفظ عن ظهر قلب بيوت ومكاتب أصحاب
«القبس» الذين يحمل إليهم بين الوقت والآخر الرسائل والأوراق التي يقوم
بتوصيلها كساعي البريد أيام زمان، يعرف متى يدخل ومن يسأل وأين هي حدوده،
والمسالك التي يحق له أن يسلكها من دون أن يتطفل على أحد أو يتجاوزهم.
وكان ممن لم يفارق وجهه صور الاحتفالات السنوية المقامة بذكرى التأسيس، أو
ينسى يوم ذهب ذو الفقار قبيسي مصطحباً الكهربائي محمد الحمصي إلى طهران عام
1974 لزيارة صحيفة « كيهان» والتعرف عن قرب لماكينة الطباعة العملاقة
«كومباكتا» التي تعاقدت «القبس» على شرائها وتم تركيبها عام 1976.
يناديه المدير العام الاسبق أحمد النجدي باسم «بيت صيَّاح» يأتمن له، يثق
به، مثلما وثق به أصحاب «القبس» ورؤساء التحرير الذين تعاقبوا عليها، وهم
جاسم النصف ومحمد الصقر، ووليد النصف وكذلك مديرو التحرير الذين تحتم عليهم
مسؤولياتهم ابقاء خطوط الاتصال مفتوحة طوال الـ 24 ساعة معه خاصة الزميل
الدكتور أحمد طقشة الذي يستنفر «بوكريم» في الأوقات الحرجة.
وفي احدى المرات ناولته سكرتيرة المدير العام أحمد النجدي مبلغا من المال
في مغلف كبير، وقالت له هذا المبلغ هو «11 ألف دينار» امسكها وذهب بها إلى
البنك وعندما قام الموظف بالعد قال له هذه 10 آلاف، عندها استنجد هاتفيا
بالنجدي ليبلغه الموقف الصعب الذي وضع به فأجابه أنت صحيح وأمين ولا تخف
فأنا سحبت الألف أمس. جزاك الله كل خير... أنت صادق.
أمنيته الوحيدة أن يوضع ابنه كريم الأكبر مكانه قبل أن يعود إلى دياره،
وليس لديه ما يطلبه سوى الستر والعافية، فقد ذهب العمر بأبوكريم ولم يعد
إلا القليل، فالعائلة تبقى الملاذ الأخير ليمضي معها بقية أيامه، ويعيد
التواصل مع اخوانه وأهله الذين لم يكن يزورهم سوى مرة واحدة كل سنة، موعد
الاجازة.. والآن حان الوقت استعداداً للانتقال إلى بيته وأرضه.
أكتب عن زميل وشخص رافقنا طوال سنوات أخاف من كلماتي عليه من المغالاة أو
الخطأ، نكتب عنه قبل الغياب وفي اتمام السنة الميلادية، استرجع فيه محطات
طويلة بعد انضمامي إلى «القبس» عام 1976، لأرى فيه وجهاً لم يغب عن العين
والذاكرة يستحق أن نخصص هذه المساحة لذلك الإنسان الذي لم يعرف الراحة في
حياته ولم يكن اسمه ليظهر أو صوته ليسمع، بل كان عاملاً بسيطاً وموظفاً
أميناً خدم «القبس» والمؤسسة والعاملين فيها.
السيرة الذاتية
• قاسم محمد بيت صيَّاح
• مواليد 1940
الأهــواز(خوزستان)
• درس المرحلة الابتدائية في مدارس الأهواز
• متزوج ولديه خمسة أولاد أكبرهم كريم
http://hamzaolayan.maktoobblog.com
المصدر جريدة القبس الكويتية
|