|
المعدان عرب الأهوار
ويلفرد
ثيسـﮕر
- المصدر موقع الحكايا
|
|
مقدمة المترجم
حسن ناصر طبيب ماهر وصياد لايبارى وصديق وفي ، هذا هو السير ويلفرد ثيسـكر كما يتذكره أصدقاؤه القدامى في أهوار جنوب العراق. امضى هذا الرحالة البريطاني بين عشائر العمارة في خمسينيات القرن العشرين وطرا من حياته التي أفلت في أيلول 2003 لندن. تجوّل هذا النبيل الذي يريد مؤاخاة الطبيعة والبشر طوال سبع سنوات بين المعدان ( كما يطلق في العراق على سكان الأهوار عموما ) حاملا بندقية صيد وصندوق ادوية بدت سحرية حين جربوها وهم الذين اعتادوا على الرضوخ لآلام المرض حتى تهدأ أو تزول بزوالهم. لم يكن ( الصاحب ) القادم أليهم من بعيد رحالة عابرا يبحث عن مغامرة خاطفة في عالم يلفه الغموض والنبذ بالنسبة الى أكثر سكان المدن العراقية قربا من المنطقة.لقد احبهم واحب نظامهم البسيط وحياتهم المرتبطة بتقلبات الطبيعة. سمعت الكثير عن هذا الرجل في طفولتي وصباي من الذين ألتقوه ورافقوه حتى لازم أسمه ذاكرتي لأكثر من ثلاثين عاما. كنت اتخيله ،عبر حكايات رجال العشائر عن ايامه معهم ، شبحا اسطوريا يجوب الهور ويعقد الصداقات مع الصيادين والفلاحين ليشاركهم أحزانهم وضحكاتهم. وحين اتيح لي أن أقرأ الكتاب وأعمل على ترجمته الى العربية اقتربت جدا من ثيسـﮔر بل وتماهيت معه في تجواله الأستثنائي ومغامراته في اهوار المنطقة الشاسعة . بعد وفاة صاحبه الشيخ فالح بن مجيد الخليفة بين ذراعيه بخمسة عقود مات السير ويلفرد لتنتهي مغامرته الكبرى بهذه الطريقة التراجيدية متزامنة مع عودة موضوع الأهوار الى دائرة الأهتمام . مات الصاحب الأنكليزي الذي رافق المعدان وتنبأ بزوال المنطقة مستمعا في أيامه الأخيرة بلا شك الى اخبار أصحابه القدامى. يدرك ان نزاعاتهم قائمة وشجاراتهم مستمرة وأنهم مازالوا بالرغم من كل شيء يواصلون الغناء في مكان ما ثم يغرقون في الصمت ، يصارعون آلامهم مستسلمين للكوارث . حزنهم الشديد جعل سكان اليابسة هناك يصفون عمق الحداد بـ ( حزن المعدان ) . لا شك ايضا في أن المتبقين منهم سيحزنون لرحيل المغامر الطبيب ( بلا شهادة ) ثيسكر. الرجل الذي حمل الأسبرين أليهم فتلاشت آلمهم المزمنة وشعروا بقيمة الوفاء التي جمعتهم به وهم يجاهدون معا الفيضانات في أرض هي الآن صحراء . حسن ناصر 2002
تعريف المؤلف
عشت ُ في أهوار جنوب العراق من نهاية 1951 حتى حزيران 1958 ، ولفترات أمتدت ً لسبعة شهور أحيانا. كان عام 1957 العام الوحيد الذي لم أذهب فيه الى زيارتها . وعلى الرغم من أنني كنت في ترحال متواصل غالباً ألا أن هذا الكتاب قد لا يطابق كتب الرحلات تماماً . لأن المنطقة التي غطتها رحلاتي كانت محدودة . كما لايدّعي الكتاب كونه دراسة مفصّلة عن سكنة الأهوارالذين عشت بينهم ، لأنني لست مختصاً بالآنثروبولوجيا ، بل لا أختصاص لي من أي نوع والحقيقة هذه . لقد أمضيت تلك السنوات في الأهوار لأنني أستمتعت بعيشي هناك . عشت في تلك الفترة بين المعدان كواحد منهم ، وأصبحت على دراية واسعة ـ الى حد ٍ ما ـ بطرق حياتهم . حاولت أن أعطي صورة عن الأهوار وعن الناس الذين يعيشون هناك مستعيناً بذكرياتي وما يدعمها من يومياتي المدونة . أغلقتْ الأضطراباتُ السياسية المعروفة في العراق منطقة َ الأهوار دون الزوّار . قريباً ستجفف الأهوار ، وحين يكتمل حدوث هذا ستختفي من الوجود طريقة ُ حياة ٍ تواصلت عبر آلاف السنين . تغطي الأهوار ستة آلاف ميل مربع تقريباً من العراق حول القُرْنَة . وحيث يلتقي دجلة والفرات شمال البصرة ليشكلا معا ً شط العرب . تتكوّن الأهوار من : أهوار دائمية حيث القصب هو النبات الأكثر أنتشاراًهناك . أهوار موسمية يغطي البردي أقساماً كبيرة منها وتجف في الخريف والشتاء . اهوار وقتية تغمرها المياه خلال الفيضانات وتنمو فيها ألأحراش بكثافة فيما بعد . يمكن تقسيم منطقة الأهوار بشكل ٍ واضح لالبس فيه الى : الأهوار الشرقية شرق دجلة ، الأهوار الوسطى : غرب دجلة وشمال الفرات ، وألأهوار الجنوبية جنوب الفرات وغرب شط العرب . هناك أيضا أهوار دائمية جنوب الشطرة على شط الغراف ، النهر الذي يتفرع من دجلة عند الكوت ويجري الى الجنوب الغربي بأتجاه الناصرية ، وأهوار موسمية في السهول الممتدة الى الشمال الشرقي من العمارة حيث تتدفق مياه الفيضانات من (الطيب ودويريج ) عبر السفوح الفارسية . وهناك أيضاً هور موسمي صغير في منطقة (البو درّاج) 15 ميلاً شمال العمارة الى الجانب الغربي من دجلة . تُغطي صفحة ُ المياه الممتدة أصقاع الصحراء الواسعة التي تتصل بالهور عند ذروة الفيضانات. وتختلف مساحتها كل سنة ، لكنها يمكن أن تمتد لمسافة أكثر من مائتين ميلاً من ضواحي البصرة الى الكوت تقريباً . وحين تختفي الفيضانات يجفُّ الجزء الأكبر من هذه الأصقاع لتضمَّه الصحراء الى أمتدادها مرة ً أخرى . يتسبَّب ذوبان الثلوج في قمم جبال فارس وتركيا في فيضان دجلة والفرات خلال الربيع ، والأهوار هي النتيجة التي تكوَّنت عبر قرون طويلة من فيضان هذين النهرين وأنتشار مياههما . تتغذى الأهوارالشرقية والمركزية بالمياه من دجلة وتصب فيها نسبة ثمانين بالمائة من مياه الصرف القادمة من بغداد . يتفرع الفرات الى قنوات كثيرة جنوب مدينة الناصرية وتنتشر مياهه لتصبَّ تدريجياً في هور الشنّاف ومن هناك في شط العرب أسفل قناة ( ﮔرمة علي ) بضعة أميال شمال البصرة . ومازالت القناة القديمة بين سوق الشيوخ وﮔَرْمَة علي تسمّى خطأ ً بالفرات ، فالمياه التي تجري فيها تسربت أليها في الحقيقة من الضفة اليمنى لدجلة ! كان الأعتقاد السائد حتى وقت قريب هو أن دجلة والفرات يصبَّان منفصلين في الخليج لكن التراكمات الغرينية دفعت الخط الساحلي تدريجياً بأتجاه الجنوب أبعد فأبعد . النظرية الحديثة التي قدَّمَها الكتور ( جي . أم ليز ) ومعه ( ن . ل . فالكون ) في 1952 تؤكد أنَّ حجم الغرين المتراكم أدى بالنتيجة إلى تنحية سطح الأرض ، ولهذا بقي الخط الساحلي منذ العهد التوراتي دون تغيير يذكر. يبلغ الفيضان السنوي لدجلة أقصاه في شهر مايس ، وللفرات بعد ذلك بشهر . كما يبدأ أنخفاض مستوى المياه في النهرين من حزيران فصاعداً حتى تصل أدنى مستوياتها في أيلول وتشرين الأول . وغالباً ما يكون هناك أرتفاع بسيط في منسوب المياه خلال تشرين الثاني. يتنامى أرتفاع المستوى في الشتاء مع أحتمال حدوث فيضانات محدودة في الشتاء والربيع قُدِّرَ لي أن أعرف الأهوار الوسطية معرفة دقيقة ، ربما لأنني بدأت من هناك . وفي الواقع لقد حسبتها وطني يوماُ ما . لابد أن أكون قد زرت جميع القرى هناك ، بغضِّ النظر عن صغرها ، على مدى السنوات التي قضيتها في الأهوار . زرت معظمها مرة بعد أخرى . حين طلبت قارباً جاء البلامة[1] من تلك المناطق وكان قبولهم يعني قبول عشائرهم لي كذلك . لازموني خلال رحلاتي . وكانت قراهم قواعدي التي أعود أليها بعد كل ِّ رحلة من رحلاتي في الهور. أبحرت في مناطق الأهوار الشرقية مسافراً الى أقاصي المنطقة و قاطعاً الأشواط التي سبق لي أن قطعت مثيلها في الأهوار الوسطى . لكني لم أعرف سكان تلك النواحي مثلما عرفت سكان لأهوار الوسطى . بقيت غريباً برغم ما أتلقاه من الترحيب للمساعدات الطبية التي أعتدتُ على تقديمها . ولم أر من الأهوار الجنوبية سوى القليل . أنا مدين بالأمتنان لجون فيرني لجميع ما قدمه من مساعدات ونصائح بصدد هذا الكتاب خلال شهور قضيناها معاً في فلورنسا . راجع معي المسودات المتغيرة بصبر لانهائي وساهم في الكثير من التطويرات . كما أتمنى أن أشكر فال فيرنتش بليك و جورج ويب لأقتراحاتهما القيّمة و مشاركتهما الطيبة في قراءة وتصحيح النسخ النهائية ، وغراهام واطسن الذي دفعني الى تأليف الكتاب وقدم ألي الكثير من التشجيع والنصائح . والى كي . سي . جوردن الذي رسم الخرائط ( للكتاب الأصل ) . كذلك الى مؤسسة ( جيمس سانكلير ) لما أظهرته من جدية في طبع الكتاب ، الى العاملين في متحف التاريخ الطبيعي وآخرين كثيرين ساعدوني في جمع المعلومات . ويلفرد ثيسـﮔر
|