وستبقى رغم الموت حيا في الوطن

في رثاء منصور الأهواز,العلم الذي سيظل مرفوعا في سماءنا

المصدر:مجلة نيسان- العدد الثالث- راية الطرفي

www.alahwaz.nl

بتاريخ 6 مارس اذار 2008 تابعنا قناة الاهواز كعادتنا الاسبوعية.كان قد مضى وقت طويل ولم يطل علينا رمز النصر منصور الاهوازي بطلته البطولية.وكانت بعض جماهير الشعب قد اتصلت به تطالبه بالظهور الاعلامي.و كعادته لبى طلب الجماهيرفعلا فظهر .كانت ملامحه الأهوازية يومها بافضل حالاتها بحيث دلت على صحة جيدة للغاية,وكانت كلماته تحمل الكثير من الأمل والتفاؤل لاضفائهما على نفوس الأهوازيين. وكعادته لا يعرف اليأس فاراد منا ان لا نعرفه نحن ايضا لذا وصى وصاياه المعتادة ، متحدثا بثقة وعزم واصرار، الامر الذي جعل تلك الحلقة ان تكون ناجحة اعلاميا وجماهيريا. فعلى ضوئها اتصل به احد طاقم المجلة ليهنئه عليها  الا انه و للاسف لم يتمكن من الاتصال به لسوء الخطوط الهاتفية في الأهواز فاجّل الأمر ليوم غد.

كان منصور الأهواز-كما نحب تسميته بعد ان شعرنا بمدى خسارتنا له اثر رحيله- يخشى على طاقم المجلة من الملاحقة الايرانية وكان يوصينا دوما بالحيطة والحذر لاننا نعمل في الداخل ولكن بنفس الوقت كان يبث فينا العزيمة والاصرار على المواصلة رغم انه كان يعلم من بداية المجلة ان خطها ربما لن يتوافق مع افكاره في بعض الامور الجوهرية ورغم وصاياه بالحذر الّا انه كان من المعتاد ان يتصل به واحدا منّا كل اسبوع ويتحدث معه حول اخر المستجدات وكان يسعد لهذا الامر كثيرا واهبا ايانا حيز كبير من وقته رغم انشغالاته الكثيرة.

كنّا سعيدين جدا بالحلقة ومشغوفين برؤيته ومولعين بحديثه.وفي يوم الجمعة 7مارس /اذار تحديدا بعد الحلقة بيوم كنت انا وصديقة لي نمر في شارع باحد الاحياء السكنية بالقرب من الرفيش و نتحدث عن الحلقة التي قدمها منصور قبل يوم.واذا بي ارى جدارا كنت قد شاهدته سابقا فأشرت الى صديقتي لتراه هي الاخرى.كان مكتوبا عليه "يحيى المناضل الكبير منصور الأهوازي"وكانت هذه الجملة مكتوبة منذ ايام انتفاضة نيسان ورغم مسحها مرارا من قبل السلطات الامنية الّا ان الشباب العربي اعادوا كتابتها من جديد ليبقى اسمه يستنير به هذا الشارع. وكان العلم الاهوازي مرسوما بجانب الجملة.

وقتها قلت لصديقتي ان منصور الأهواز كان اول من خرج للناس متحدثا بالقضية الاهوازية وبفضله انخفضت ازمة الهوية لدى الاهوازيين بنسبة كبيرة جدا فلا يوجد اليوم رجل شارع عادي لا يعرف قضيته في حين كان الامر قبل ظهور هذا الرجل اعلاميا, حلما من الاحلام وضربا من الخيال  واضفت لها بان منصور الأهواز كسر حاجزا كبيرا كان يجثو على صدورنا وقد باتت القضية بشتى مطالبها-التحريرية والفيدرالية وحتى الحكم الذاتي-مرتبطة باسمه فلا يمكن لاحد ان يذكر القضية الاهوازية الّا ويذكر منصور الاهواز معها ويعيد الى الذاكرة تضحياته الجسام.

فاجابتني صديقتي-التي هي ايضا من اسرة التحرير-وبلهجتنا الاهوازية المحببّة والتي تحدث الينا بها منصور في اخر ظهور اعلامي : منصور الاهوازي مثل العلم.منصور رمز للوطن وللمناضلين مرفوع فوق روسنا دايما.

وهززت رأسي مؤيدة لها ومضينا في دربنا لنشاهد اعادة البث التلفزيوني.كانت مرارة ما تتوغل فينا كلنا تقريبا.لم نكن نعرف السبب ولكنها كشفت عن نفسها بعد ان اخبرنا الاخ الذي كان يريد الاتصال بمنصور حيث كان قد طلبه مرات عديدة ولكن كان هاتفه مغلقا.بحث الاخوة كثيرا الى ان وجدوا له رقما آخر فاتصلوا به.ولم نفق الا على صاعقة تناقلت بيننا عبر الرسائل القصيرة:"البطل قاهر جنرال اليأس في المستشفى فادعوا له بالشفاء".

لم تصدق آذاننا النبأ فأي مرض هذا الذي يقهر قاهر جنرال اليأس؟؟ولكنها ارادة الله سبحانه وتعالى.رفعنا ايدينا بالدعاء متوسلين الى الله. ولم يبق بيت اهوازي نعرفه الا وقد رفع يده بالدعاء راجيا الشفاء لهذا الرجل الرمز.كانت خمسة ايام رقدها بالمستشفى تكفي لنعيد معها شريط الذكريات الهاتفية او الانترنتية معه و التي كنا نسرقها من عملاء الاستخبارات المتواجدين حتى في ثقوب الجدران.

تذكرت كيف كان الايميل الاول. حيث ارسل لي من خلاله دراسات عديدة عن تسمية الأهواز من خلال البريد الالكتروني لتلفزيون الأهواز حينها لم أكن اعرف انه الاستاذ منصور الاهوازي.قرأت تلك الدراسات كلها وكانه كان يعلم بالفترة الزمنية  التي كنت بحاجة اليها لقراءة ما بعثه لي فقد امهلني 3 ايام ليرسل لي دفعة جديدة من المقالات دون اي تعليق ودون اي حديث.وقرأتها ايضا.عندها تغيرت قناعاتي العاطفية التي كانت تتبنى تسمية الأحواز الى الانصياع للحقيقة التاريخية وتبني تسمية الأهواز بعيدا عن العواطف الوطنية الثورية التي كانت تحجب عني الحقائق التاريخية.

وبعد ذلك ارسلت له ايميلا وانا لا اعرف من المرسل اشكره على الدراسات القيمة التي اهداها لي.ولم نتواصل الا بعد ان كتبت مقالي الاول بتمسية الاهواز فبعث لي هذه المرة مذيلا رسالته باسمه الكبير منصور الاهوازي.كنت كطفلة سعيدة بان يرسل لها عملاقا سياسيا كالاستاذ منصور الاهواز يهنئها على مقالها ليس بسبب التسمية طبعا بل بسبب المقال الذي نشر في جريدة السياسة وقتها واخذ حيزا كبيرا من الاهتمام الاعلامي لدى الاهوازيين بالمهجر خاصة.

وانقطع الاتصال الى ان تم الاتفاق بيننا-نحن العاملين كطاقم تحرير مجلة نيسان-لاعادة الحلم الاهوازي بامتلاك مجلة الكترونية شهرية بعد ان كانت البداية مع مجلة عيلام التي نتمنى لها الاستمرار والموفقية.وكان بالصدفة احد الاخوة على اتصال دائم بالاخ منصور الاهواز وكان ينقل لي تحياته المباشرة وامنياته لي بالموفقية في عملي الجديد وكان يبلغني ايضا اعجابه بعملي منذ انطلاقة مجلة عيلام الى اليوم.وكنت فخورة بكل ما ينقل لي منه فمنصور الاهواز اسم كبير لم احلم يوما بان تلقى الكتابات البسيطة التي اكتبها اهتماما من قبله.

لمنصور الأهواز لمسات كثيرة في المجلة من اهمها شعار "حتى تكون الكلمات اقوى من الطلقات" فقد كان يوصينا دوما اما بشكل مباشر عبر الايميلات او عن طريق الاخ الرابط بيننا وبينه ان نسعى لتكريس مبدأ قوة الكلمة بدلا عن قوة السلاح.وبالفعل شعرنا بان للكلمة الصادقة قوة اكبر من طلقات الرصاص فكان شعار منصور الاهواز مزينا لعددنا الاول والثاني وسيبقى شعارا لمسيرتنا الاعلامية الجديدة.

كان يقول دوما اختلفوا معي بالرأي كما شاتم ولكنكم اولادي وكان يعلم ان بيننا من هم يختلفون معه فكريا بشكل كامل الّا انه كان يعطي نصائحه الابوية وكان يقول انتم مخيّرين في قبولها او رفضها .وكان يوصي دوما باتخاذ الحيطة والحذر وهو يخشى علينا كأولاده تماما.كان باختصار ابا روحيا لكل طاقم المجلة.

كانت لمنصور الاهواز لمسات اخرى في المجلة فقد كان هو صاحب فكرة"صفحة الأهواز في شهر" بل كان ورغم انشغالاته الكثيرة له الفضل بكتابة هذه الصفحة بالعدد الثاني وهذا الذي جعلها تصبح انجح الصفحات التي ادرجت في عددنا الثاني وبالاضافة لكل ذلك كان منصور الأهواز لا يبخل علينا باي مشورة اعلامية او لغوية بل تبرّع مشكورا بتدقيق كل ما يكتب قبل النشر لمراجعته لغويا.

كان لشهيدنا الكبير الفضل الكثير علينا.فضلا لا نستطيع نسيانه بسهولة.بل الاهواز كلها لن تنسى الانجازات العظيمة لهذا الرجل العظيم.كنا قد وضعنا للمجلة خطة نسير حسبها بغية اجراء المقابلات الاهوازية ولكن للاسف لم يسعف القدر مجلتنا كثيرا لكي يتسنى لها التشرف باستضافة هذا الرجل الرمز فقد أصابتنا الصاعقة الكبرى يوم 12 مارس / اذار عبر رسالة موبايل قصيرة ايضا تفيد "الموت خطف قاهر جنرال اليأس والخوف,اقيموا العزاء".لم نصدق.لم نستطع التصديق فاي قدر هذا الذي يلاحقنا؟!

بحثنا كثيرا عن مصدر يفند لنا الخبر فاجرينا اتصالات هائلة بأمل ذلك.كل واحد منا كان يتصل بأي شخص يعرفه بالمهجر.تعبت محركات البحث منّا ونحن نجوب المواقع الالكترونية علّها تكذب الخبر ولكن كل مكان كان مظلم.كل الصفحات كانت سوداء.كل الصور كانت تحمل شريطا اسودا على طرفها الايسر.

هل كان يعلم منصور الاهواز بأنه سيغادر بهذه السرعة؟؟هل كان يوصي وصاياه الاخيرة للشعب؟؟هل كان يعاني من اي مرض؟؟لا يبدو لنا ذلك...ولكن ما كنا متأكدين منه ان هذا الانسان العظيم الكبير بمقامه قد نسي نفسه واهله واولاده خدمة للقضية الاهوازية فقد تبناها كأبن له ونذر نفسه قربانا لها فأي خسارة يتحملها الوطن برحيله؟؟؟؟واي مرارة سيذوقها الشعب الاهوازي من بعده؟فقد رحل كاسر حاجز المستحيل ويكفيه فخرا بانه كسر هذا الحاجز لتجتازه الاجيال القادمة نحو الحلم الاهوازي الكبير.رحلت يا ابا لؤي ولكن يبقى اسمك عاليا يسطع في سماء الاهواز وتبقى افكارك نبراسا نستنير بها على طريقنا نحو الحلم الاهوازي.الحلم الذي عشت لأجله وعملت الكثير في سبيله وحققت الكثير للوصول اليه فنعدك باننا على العهد باقون وسنكمل الدرب الذي رسمته وصولا الى طموحاتنا.وستبقى ذكراك تشحننا بالامل في الطريق المؤدي الى أهدافنا.وعزاؤنا بانك حي ترزق عند رب كريم وحسبنا بان الاهواز انجبت وستنجب مثلك الكثيرين ويكفينا ما تركته لنا من ارث كبير يساعدنا على الاستمرار بدربك سواء متفقين معك فكريا او مختلفين.

نقطة في الختام

ترأست تحرير مجلة عيلام لعددين وقبل صدور العدد الثالث غادرنا الراحل الفقيد الغالي محمد شريف النواصري ليكون عددنا الثالث تخليدا لذكراه وها هو الامر يتكرر اليوم فقد اصدرنا عددين من مجلة نيسان وقبل صدور الثالث غادرنا الكبير جدا منصور الاهواز وبفارق سنة تقريبا بين الشهيدين. فاي شؤم هذا الذي يلاحق القضية الاهوازية؟؟هل هو الموت الطبيعي ام ان يدا خفية تريد تصفية رجالات الفكر والثقافة والساسة المميزين لدينا؟؟سؤال تائه على السنة الشعب.

راية الطرفي