|
مرت علينا وفي مثل هذه الايام الذكرى الاولى لرحيل المناضل والمثقف الاهوازي المغفور له محمد نواصري الذي وافته المنية اثر ذبحة صدرية مفاجئة بعد اشهر قليلة من اقامته في هولندا كلاجئ سياسي هاربا من بطش النظام الايراني و ظلمه ، هذا النظام الذي اقدم سابقا على اعدام والده عندما كان محمد في ريعان طفولته . وفي ذكرى هذه المناسبة الاليمة يتشرف مركز دراسات الاهواز و تكريما لذكرى رحيله باعادة نشر احدى اهم الدراسات التي كتبها المعفورله والتى نشرت عقب انتفاضة الخامس عشر من نيسان المجيدة عام 2005 حيث حاول من خلالها كشف عوامل قوتها وضعفها موجها نقدا لاذعا لمواقف بعض الجهات والاحزاب السياسية الاهوازية في الداخل والخارج ... كما ان المركز يتشرف ايضا بنشر بعض الصور النادرة للمرحوم التي تعود لسنوات دراسته في جامعة طباطبائي في طهران حيث تخرج منها يحمل شهادة بكلوريوس في علم الاجتماع بامتياز. تحية لابي وائل في ذكرى رحيله وتحية الى وائل ووالدته والى اسرة الفقيد وكافة محبيه وانصاره والى ابناء شعبنا العربي الاهوازي كافة . مركز الدراسات الاهواز 20/3/2008
الكاتب : المرحوم محمد نواصري * الحلقة الاولى " عند الامتحان يكرم المرء او يدان" شهدت شعوب العالم طوال مراحلها النضالية و تطورها الاجتماعي و الثقافي و السياسي محطات و منعطفات و تحديات مختلفه حيث القت تلك الاحداث بظلالها علي مسيرتها المستقبلية و حددت في معظم الاحيان ملامح المرحلة القادمة لتلك الشعوب و كان لنوعية و نمط التعامل و مواجهة التحديات المفروضة الأثر البالغ في تحديد المنحي و التوجه الذي بلغته تلك الشعوب في مسيرتها المستقبلية.و يذكر فلاسفة التاريخ من امثال المؤرخ والمفكر العربي عبدالرحمن بن خلدون و برتولداشبنغلر و آرنزلة توين بي في كتابه تاريخ الحضارة نماذج مختلفة عن نهوض الشعوب و التحديات التي واجهتها في مراحل تطورها و آلت اليه تلك الشعوب. و كان لنوعية التعاطي و التعامل و ادارة الصراع و مواجهة التحديات الفروضة الدور المركزي في تحديد مصير تلك الحضارات و الضعوب المستقبلية.
اما
بالنسبة للشعب العربي الأهوازي فهو جزء من عملية سيرورة التاريخ و شهد طوال
خمسة الآف سنة منذ العصور الغابرة زمن الحضارة العيلامية مرورا بالفترة
الاسلامية و الدولة المشعشعية و امارة عربستان, مراحل و تحديات و منعطفات
مختلفة حيث كان لبعض التحديات الأثر البالغ علي سيرورته التاريخية. الاولي
قبل 2500 سنة علي يد غوروش الأخميني الذي قوض اركان الدولة و الحضارة
العيلامية و الثانية سنة 1925م بواسطة رضاشاه البهلوي الذي الغيت علي يده
امارة عربستان العربية. أشرنا في دراستنا السابقة "انتفاضة نيسان, الاسباب التاريخية و البنيوية" الي التحديات المفروضة علي الشعوب الايرانية بشكل عام و الشعب العربي الأهوازي بشكل خاص بعد خلق و تجسيد النسخة الجديدة من النسق السياسي(political system) و أهم أفرازات تلك السياسات العنصرية طوال ثمانية عقود من الحكم الشوفيني و السلطة الغاشمة.و عددنا أهم المراحل التاريخية و النضالية طوال الفترة التي خلفت الاحتلال الكولينيالي المباشر,حيث وجه لنا بعض الاخوة نقدا بأننا اتخذنا "الهيغلية" و المنهج الهيغلي التاريخي لطرحنا للقضايا الاجتماعية و السياسية. لكن الحقيقة ان منهجنا هو المراجعة النقدية لأهم المنعطفات التاريخية لتشخيص الخلل و التأسيس لمرحلة جديدة نستلهم من تاريخ التحول االاجتماعي بعض المرتكزات والمنطلقات النضالية. " فهناك بين التاريخ و المراجعة النقدية بهذا المعني, فرق لابد من ابرازه هنا لأهميته. ذلك ان التاريخ لحادثة او سلسلة من الحوادث لايكون عنة انتهائها. فالتاريخ, اصلا, جفظ علي صعيد المعرفة لما مضي و انقضي علي الفعل. اما المراجعة النقدية فعي وقفة تأمل يقفها الانسان عندما يشعر لأن مرحلة ما في مسيرته هي علي وشك الانتهاء و أن مرحلة أخري علي و شك الابتداء. و من هنا كان الاتجاه المراجعة و النقد يتحدد, ليس بالممكنات التي كانت تشكل طموحات الامس و حسب, بل ايضا بالتي تشكل برنامجا للمستقبل. و عندما يكون الفصل بين هذه و تلك ممكننا ميسورا, فان ذلك يعني أن مرحلة بكاملها هي بالفعل في حكم المنتهية و أن مرحلة اخري علي الابواب. اضف الي ذلك أن للتاريخ دورا هام في عملية استنهاض القيم و همم الشعوب الواقعة تحت نير الاحتلال و العبودية من اجل عملية رص الصفوف التعبئة الجماهير و تنشيط الجهد الثوري لدي ابناء الشعب العربي الأهوازي و نخبه السياسية و الانتليجنسيا التي تمثله في معترك النضال. كذلك بالنسبة الي التاريخ, فان له بداية رومانتيكية مشابهة و نهاية اكثر نضجا. فان التاريخ لم يتخلي عن مكانته كشريك مساو في صنع الامم. لقد كان اولا ذاكرة منشطة للاعمال المجيدة علي العمل بأبطاله و منجزاته الماضية لالهام الجيل الجديد علي التمسك بمثال سام من كينونة الأمة و الايمان بالمستقبل و التضحيات غيرالمحدوده.... كل ماعليهم فعله هو اعادة ربط ماضيهم بحاضرهم بإضفاء شعور الفخر و الحماسة بأمجادهم الغابرة. و هكذا لكي يستلهم المرء التاريخ عليه أن ينظر اليه بوصفة كيانا حيا يموج بالسياسين البارزين و القادة العسكريين و الشعراء و الفلاسفة. غير أنها خطوة أولية لكنها ضرورية. و ينبغي ان يكون تدريس التاريخ للجيل الجديد و شباب الامة مثلا ينطوي علي مسئوولية قومية كبيرة. بوصفه مبدءا اخلاقيا و روحيا في تكوين الامة بحد ذاته لابد من التعامل معه بروح الالتزام و التكريس علي نحو تام. لذا بسبب متطلبات تدريس التاريخ ضمن مجال محدد و قيود الوقت, علي مدرس التاريخ لجيل الشباب من ابناء الامة ان يمارس قدرا معينا من الحذر لأختيار أحداث و تأكيدها, بحيث تقود الي تعزيز شعور الوعي القومي. و هذا الوعي الذي يغذي وفقا لبرنامج صارم من التثقيف و الاختيار الحصيف للمواد هو الذي يضمن مولد حركة جديدة. و في حين تستمد هذه الحركة الجديدة أمثلة من الماضي, فإنها ملتزمة بصنع المستقبل بالافكار الجديدة و المعدات التقانية المتقدمة. علاوة علي ذلك, فأن أبراز او أنتقاء أحداث معينة لغرض بث الوعي القومي و جعل الشباب واعين لتراثهم او واجبانهم المدنية لايعني تزييف الحقائق او تشويهها. و هكذا من الطبيعي و المنطقي انقاذ التاريخ العربي من حالة الجمود التي تقوم علي قائمة بالأسماء و التواريخ لاتتصف بالحيوية, و إعادة خلق صورة دينامية مفعمة بالحركة و الحياة. خلافا لذلك ان يتبع تدوين التاريخ كجهد علمي قاعد صارمة و يتمسك بمنهجية دقيقة من الموضوعية و الأصالة. إن مثل هذه المهمة تتطلب استعمال المصادر الاساسية الموثوقة و تحتاج الي دراسة التفاصيل و الحقائق كافة المتعلقة بحدث معين. و بهذا الخصوص علي المؤرخ أن يكون منصفا و موضوعيا و لاهدف له "أن يعرف الحقيقة و يذيعها". هذا لايعني أن تركيزنا علي التاريخ و كذلك الذاكرة التاريخية و تنشيطها هو علي حساب المرتكزات الأخري لأستنهاض الشعب العربي الأهوازي كاللغة و الثقافة و الجغرافية و.... بل كل واحدة من تلك العوامل لها دور وظيفي (Function) في تلك العملية (Process) و ذلك المشروع النهضوي و الثوري. ثنائية الانفصال و الذوبان: أفرزت انتفاضة نيسان الاخيرة واقعا أجتماعيا و سياسيا جديدا اكثرا جلاء و وضوحا و لاستطاعت المتتبع للشأن الأهوازي مشاهدته و ملامسته و هو "أشكالية(Problematic)" تأزم و أفلاس معظم النخب السياسية و الانتليجنسيا و الاحزاب السياسية و كذلك مؤسسات المجتمع المدني في الداخل و طوبائية الطرح السياسي و الفكري لدي معظم الاحزاب السياسية في الخارج. تلك البرامج التبشيرية و الطوبائية التي لا تمت بالواقع و الواقعية السياسية بصلة, حيث أخذت تروج للعنف الثوري و تستنهض كنائبها الثورية في الداخل من اجل ضرب القواعد العسكرية و حرق المؤسسات و... سعيا منها مصادرة الانتفاضة هي تلبية للنداء الذي وجهته لجماهير الشعب مرور ثمانين عاما علي الاحتلال و أن عناصرها هي التي أحدثت شرارة الثورة و سيرتها طوال تلك الاسابيع الثلاثة متناسين "أن النضال عن بعد لايبني وطنا و أن الثورة و الجهد الثوري هو مشروع نهضوي متكامل و عملية تراكمية ليست وليدة لحظة و حدث تاريخي معين. أما بالنسبة للداخل فأخذت الاحزاب السياسية و الشخصيات المعروفة بتوجهاتها الانتهازية و عمالتها للسلطة تنعت الانتفاضة المباركة و المنتفضين المخلصين بصفات مختلفة كالغوغائية(Lumpenism) و المدمنين و السراق و غيرها من الصفات البذيئة. القصد من الاشارة لهاتين الحالتين هو التأكيد علي الأشكالية و الثنائية التي لطالما يعاني منها النضال الأهوازي طوال الثمانية عقود الماضية و هي ثنائية دعاة الانفصال و العنف الثوري من جهة و الذوبان و التسليم التام للسلطة الغاشمة, من جهة اخرى. الغرض من هذا الطرح و هذه الدراسة ليس التشهير و التهكم او التهجم علي الاشخاص و النخب و التيارات الفكرية و السياسية, كما لانقصد من خلال تشخيص و رصد بعض الحالات خلال هذه الانتفاضة المجيدة و الانتقاضات السابقة "جلد الذات" كما يقال, بل نقصد تقديم دراسة نقدية و باتالوجية(Pathology) لما آلت اليه النخب السياسية و التيارات و الانتيليجنسيا العربية الأهوازية. و كذلك الاحزاب و مؤسسات المجتمع المدني و كذلك الأزمة و الأشكاليات التي يعاني منها الشعب العربي الأهوازي بشكل عام و نخبه السياسية و الفكرية بشكل خاص, سعيا منا و بمشاركة النخب السياسية و الفكرية و الانتيليجنسيا الأهوازية للتأسيس لمرحلة جديدة و فضاء فكري و منهجي جديد يأخذ بعين الاعتبار المنهجية و الواقعية السياسية و ماتملي عليه طبيعة و دقة المرجلة التاريخية مع الأخذ بعين الاعتبار التجارب العالمية للشعوب في طريقها لنيل الحياة الحرة الكريمة. أن النقد العلمي و المنهجي و طرح التناقضات هو أول مراحل الوصول الي الفعل او الوفاق الاستراتيجي كما تقول مدرسة فرانكفورت النقدية و مفكرها الكبير "يورغن هابرمارس". كما لانقصد من طرح التناقضات و المراجعة النقدية قرائة مابين السطور, للسلطة الغاشمة بل القصد خلق دينامية و حراك فكري و مجتمعي للخروج من حالة الخمول و التأزم التي وصلت اليه النخب الفكرية و الانتيليجنسيا السياسية في داخل و خارج الأهواز. 1. د.محمد عابد الجابري, المشروع النهضوي العربي مراجعة نقدية, مركز دراسات الوحدة, الطبعة الاولي, بيروت, كانون الاول 1996م, ص13. 2. ساطع الحصري, الاعمال القومية لساطع الحصري, القسم الاول, آراء و احاديث في الوطنية القومية, ص22-23-30-31-68 و 72. 3. الحصري, المصدر نفسه, القسم الثاني, الكتاب8: آراء و احاديث في التاريخ و الاجتماع, ص32-34. 4. الحصري, المصدر نفسه, ص32. 5. تحدث احد الاعضاء الرئيسين في "حزب الآفاق الاسلامي" في جلسة عامة واصفا هذه الانتفاضة و يوجد لدينا تسجيل لهذه الكلمة و النقاش الذي دار في تلك الجلسة. |