|
|
حتة
للكاتب والصحفي الأستاذ
يوسف عزيزي
«الجزء الأول» علم المتهم بما يخططون له عند ما ضرب المحامي بقبضته على الجدار غاضبا بعيد تلاوة القاضي الحكم الصادر بحقه. كان البيان مقتضبا: المحكمة تصدر حكم الاعدام على حاتم الكعبي المعروف بـ«حتة» لارتكابه جريمة الهجوم على مخفر لقوات الامن في مدينة السوس. اغتنم الفرصة لتوديع اشقاءه وتقبيل وجه امه العجوز. قيدوا يده بيد احد الشرطة ليجلسا جنبا إلى جنب في قفس السيارة لتنقلهم إلى مدينة الاهواز، فيما تولى شرطي آخر قيادة السيارة. الطقس كان مغبرا بفعل الزوابع الرملية، حيث كانت الرؤية تتم بصعوبة. فالاحمرار كان باديا على عيون المارة وهم يبدون مصابين بمرض الحُثار. خطرت فكرة على باله لكنه سرعان ما تخلى عنها. الامر مبكر. فكرة الهروب شغلت باله منذ ان ضرب المحامي بقبضته على الجدار. قال الشرطي البدين ذو الشوارب الكثة الملتوية إلى الاعلى للشرطي الاخر الهزيل جسميا: - ألم يكن بامكانهم ان يحتفظوا به لمدة ليلتين او ثلاث في مدينة دزفول؟ - يبدو انهم يرغبون في التخلص منه. - لا فرق أين يتم الاعدام، هنا او في الاهواز. - يخشون اعدامه في دزفول، فالمدينة صغيرة ويوجد فيها ابناء عمومته واقرباؤه. - كان الشرطيان يتحدثان بصوت عال بسبب ضجيج السيارة.فقال الشرطي البدين: - تكلم ماشئت، السجين لم يتقن الفارسية. - إلى اي سجن نأخذه في الاهواز؟ - سجن «آخر اسفالت» - كان يجب عليهم ان يبعثوا معنا شرطيا ثالثا، فالمسافة بين دزفول والاهواز ليست بالقريبة. - - لا توجد لديهم قوة اضافية أولا، وثانيا السنا نحن رجال، شرطيان مسلحان مقابل رجل اعزل مكبل. - تلاقت نظرات السجين مع امواج نهر الدز. شعر بالتهاب المياه وكأنها مشتعلة. شاهد الضفة المرتفعة للنهر ومن ثم الدوامة تحت الجسر حيث كانت المياه تتماوج.فلم يخطر بباله الغطس في هذا النهر ولم يتذكر ذكريات السباحة فيه. - ركز جل تفكيره على حاله في تلك اللحظة حيث لم ينقض من عمره الا خمسة وعشرون ربيعا. فقد كان ومنذ نعومة اظفاره يسبح في مياه هذا النهر. - - ويل لك يا نظام السلطنة، لو بقيت حيا سألقنك درسا لن تنساه. - قال هذا في قرارة نفسه، وعند انطلاق السيارة القى نظرته الاخيرة على النهر، فرأى امه وعلى رأسها عبايتها العربية واشقاءه وكوفياتهم الحمراء اللائتي ذكرته بدماء ابيه. - في الصحراء القفراء بين مدينتي دزفول والاهواز كان يحاول ان يغلق عينيه ليغفو وينام غير ان السيارة كانت اشبه بالحمام الساخن أثر الحرارة الشديدة المتسربة من سقف السيارة. كان ضجرا منهكا غارقا في العرق ودماغه ساخنا من زحمة الافكار. رفع رأسه إلى السماء هامسا: - - الهي انت شاهد كيف صادروا اراضينا وخربوا بيوتنا وقتلوا والدي وجعلونا سائبين مشردين. الهي، ادعوك ان تنتقم لنا. - اخفض رأسه وحدق في عيون حارسه ومن ثم تبسم. - - انتبه. - - لماذا؟ - لا شئ. يجب ان تنتبه، فلهذا الابتسامة معنى. - لن اسمح له بالتحرك. - اشعل السائق سيجارة وقال: - هذا المنطقة تعج بالمتمردين على الحكومة. - تصور، إلى أي منطقة نفوني!
-
لهذا اقول انها مليئة بالمتمردين. فقد سبق وان ازعج شخصا كأبن الكلب هذا قوات الامن قبل خمسة عشر عاما.كان يصول ويجول في مناطق بني طرف والبسيتين والحويزة وهور العظيم. فلا انسى احدى عملياته ابدا. فقد كنا نطارده حتى قيل لنا انه ضيف في احدى القرى النائية. مجموعتنا كانت تضم ضابطا ورئيس عرفاء وسبعة من عناصر الامن الداخلي. كان المتمرد ضيفا في احدى مضايف القرية حيث قمنا بمحاصرة«المضيف» من كل الجهات. كنا نكرهه وكانت اعماله تثير غضبنا حيث كان ملفه وحتى ذلك الوقت يحتوي على اغتيال احدعشر عسكريا. اخبرونا بانه لا يحمل السلاح حيث استاسدنا جميعا وكان كل واحد منا يرغب بالفوز بالجائزة التي خصصتها الحكومة لرأسه. طلبنا من الضيوف ان يخرجوا من المضيف حيث خرج الجميع ماعدا ذلك المتمرد.لم تفلح تحذيراتنا وتاكيداتنا لخروجه من المضيف. فقد تقدم الملازم مدني قائد المجموعة قائلا بصوت عال:«دعيّر،دعيّر، من الافضل لك ان تستسلم، لابد وان تستسلم». لم نسمع ردا من داخل المضيف. فقد كرر الضابط مرة أُخرى طلبه: «اخرج يا دعيّر، فاذا قمت بتسليم نفسك ستبقى حيا وسنخفف من عقوبتك». لكن لم يأت اي رد من ذلك المتمرد. فقد عاد الضابط بضع خطوات إلى الوراء وآمر باعلى صوته: «اطلقوا النار». غربلنا بالرصاص ذلك المضيف المصنوع من القصب حيث كان ينهمر بغزارة من يمينه إلى شماله ومن شرقه إلى غربه. تصورنا ان الامر انتهى وان المتمرد لقي مصرعه. فقد هم الملازم مدني بالدخول إلى المضيف وهو يحمل رشاشا بيده. كنا نتوقع بان يخرج ومعه جثة المتمرد دعيّر. مضت خمس دقائق، ومن ثم عشر دقائق ولم يخرج مدني من المضيف. ساورنا القلق رويدا رويدا. كان رئيس العرفاء جبانا نوعا ما، فلم يدخل المضيف الا مع اثنين من العسكريين. ففور دخولهم ارتفع ازيز الرصاص من المضيف. الصوت كان صوت رشاش. فبعد هنيهة انقطع الصوت ولم يخرج هؤلاء الثلاث أيضاً من المضيف. اصبنا بالذعر جميعا حيث لا انسى ما قاله لي المرحوم رئيس العرفاء النائب رضا: «انني اتكهن بان الجن يعشش في هذا المضيف، فماذا حدث لهؤلاء والمتمرد لم يملك سلاحا». فقدنا معنوياتنا تماما وإذا بالعسكريين يفرون من مكان الحادث وانا وراءهم. سأله الشرطي الثاني: - ألم تعرفوا ماذا حدث؟ - اطلعنا فيما بعد بان المتمرد كان وراء العملية. كان يختبي فوق خشبة منصوبة افقيا تحت سقف المضيف. فعند دخول الملازم مدني قفز دعيّر وخنقه بيديه واخذ رشاشه حيث قتل به العسكريين الثلاث الذين دخلوا بعد الملازم إلى المضيف. كان انسانا عجيبا. اخذ حتة يفرك عينيه المنهمكتين بكفه اليمنى لكن لم يمهله الشرطي حيث صوّب بندقيته إلى رأسه متسائلا: - ماذا بك تتحرك؟ - كانت المفردات الفارسية تطن في اذنه وترسب على غشاءها الطبلي وتنمحي. عندما كان يرغب في التدخين لم يعرف ماذا يقول لسجانيه حيث حرموه من لغة الاشارة أيضاً. فكان الشرطيان يثرثران احيانا أو يشيران بيديهم وشفاههم ويقهقهان. تخيل حتة مدى عنائه مع السجانين حيث لم يفهم لغتهم ولم يفهموه. فقد همس مع نفسه:«من الذي يدرك هذه المأساة؟ فلو كانوا يفهمون لغتي لاستطعت في الاقل ان اطلب منهم سيجارة ولو بدفع الفلوس». .... نلتقيكم في الجزء الثاني انشالله 21/02/2009 - المصدر كتاب حته وعيون شربت للكاتب والصحفي الاستاذ يوسف عزيزي. - طباعة ونشرعلى الانترنيت موقع كارون الثقافي في عربستان. - لا يجوز نشر المادة بدون الاشارة الى المصدر.
|
|