" المآسي "

علي عبدالحسين-مدونة الليل

أذكر جيداً كأنه كان بالأمس...كان أبي مريضاً طريح الفراش، لم نعرف ماذا به و لم يقل لنا الحكيم عن سبب مرضه. لقد مرت أيام و أبي لم يستطع الذهاب الى العمل. و لما طال مكثه في المنزل أصر مأمور الفرعون أن یذهب الى العمل و إلا لن نرى الخبز ما دمنا أحياءا. كان يعرف أبي أنه اذا طال به المقام في الفراش سوف تـُقطع مؤونتنا من الطعام. في اليوم السابع من غيابه عن العمل خرج صباحاً باكراً، كان سعاله شديداً، وكان يتكأ على خيزران جدي فينظر الى العصا و يبكي... إحتارت أمي ماذا تفعل .. بكت و بكينا جميعاً .. أنا و أخواتي الثلاثة...ذهبَ.. و ما عاد أبداً...

أذكر جيداً و كأنه كان بالامس...غابت حبيبتي يومين، بحثتُ عنها كل مكان،أنا وإخوتي و أبي و جميع قومي، لكن لم نجدها. ساورني شعورٌ لعينٌ يقول أنها اُغتصبت مثلما اُغتصبت أبنت خالي "مشيما" قبل شهور على يد جنود الامبراطور، دارت بي السماءُ و سقطت على الارض ... صَحيتُ فكانت امي تبكي على رأسي و طفلاي الصغيران يصرخان بأعلى صوتهما. يا إللهي ماذا صنعتُ حتى اُعاقب بهذا الشكل المؤلم جدا...؟! في صباح اليوم الثالث من الحادثة وجدها أخي "هوشي" على الطريق ملغاة مدماة تنزف من كل عضو لها. بعد أيام من التحري عرفنا أن إبن الحاكم فعل فعلته بها. تركتُ كل شئ وتعقبته في كل مكان حتى وجدتهُ في حظيرة الخيول وحده فنحرتُ وريده و بصقت في وجهه. بعد ساعات قلائل سحبوني الجنود أمام أمي و أبي و طفلاي الصغيرين يبكون بكاءا حاراً جارحا...فشـُنقت و قلبي تحرقه دمعاتُ امي و الطفلين.

أذكر جيداً و كأنه كان بالامس...إنتزع مرابٍ خبيث ارضي فاُرغمت على الهجرة الى كلكته لاُعيل اسرتي الكبيرة، فلقد كان لدي ثلاثة بنون و اربع بنات. إشتريت أغراضاً لمهنةِ تصليح الاحذية، وبدأ عملي يرى رونقاً، فإستطعت أن اُطعم الاولاد و امهم. لكن ذات نهار هاجمني لصوص فسرقوا رزق اطفالي و لما تشاجرت و إشتبكت معهم ضربوني و ألقوا بأغراض المهنة في النهر. رجعت الى البيت خجلا من اولادي و زوجتي سارة، القيت بنفسي على السرير و أجهشت بالبكاء. ظللتُ أياماً أبحث عن عمل، وأخيراً أصبحت أجر عربة للأجرة...لم يحالفني الحظ فدهستني سيارة و كسرت العربة و أردتني مكسور الرجل كسراً بالغاً، اُضطر الطبيب أن يقطعها. الجوع آذى اولادي كثيراً حتى بعتُ أحدى كليتيّ َ...فبناتي اللواتي ذهبن غريبات كلٌ الى مدينة ... واليوم أتوق إلى رؤيتهن بكل وجودي ... فأبكي و أصرخ و لكن بلا فائدة....

 أذكر جيداً و كأنه كان بالامس...ناداني أبي بخشونةٍ رهيبة. هرعتُ نحوه، فصفعني شديداً على وجنتي. كان البرد قارصاً، و اُختاي الصغيرتان يبكيان عالياً. صرخ بي أبي أن أجلس قرب فاطمة و ليلى. دخـّن سيجارة. ومرة اخرى صاح..لماذا ذهبت اٍمكَ الى الاهواز؟ لماذا...لـ ؟؟؟ و استطرد صارخاً أنا تعبتُ منكم من اعاشتكم من ...أنا لا أستطيع...لا...لا...فيجب أن نرحل جميعاً من هذه الدنيا. جلب من المطبخ قارورة البنزين، و لما عرفت نيته أجهشت بالبكاء و صرخت لا يا أبي لا ... سوف ترجع أمي ... سوف يبعث جدي لنا نقودا..و لكن كان كأن لم يسع شيئا... فرشَ البنزين علينا و على الاثاث، قفل الباب و أشعل النيران

14/09/2009