"النخلة و العصفور"
علي عبدالحسين - مدونة الليل
في حيّنا معظم البيوت تُشتل فيها نخلة او نخلتان او ازيد حسب مسافة المنزل...
لمّا اعاد بناء منزله سيد برويز جارنا القديم احب ان يشتل نخلة في بيته ...
جاءنا ذات يوم ليسأل ابي عن نخلاتنا الثلاث ؛ من اين اتينا بهن و ما هي اسماءها...
قال له ابي : تسمى نخلاتنا "بريحيات" وقد جئنا بهن من قريتنا في المحمرة...
مكث برويز ملياً ثم هز رأسه و قال : اذاً هذه النخلات عربيات بحت...
رد عليه ابي : و ما العيب فيهن...؟
ارتبك برويز قليلا و اجاب : لا... لا...يا ابا طارق لا عيب فيهن لا...لا ..لكن تعرف انا لست عربيا ...فـ...فأريد نخلة...انا سوف اذهب الى جهرم و آتي بنخلة لأزرعها في بيتي...
مرت الايام ...مر الشتاء...ثم الربيع ...و كاد ان ینتهي الصيف...و برويز لم يذهب الى جهرم...ولم يأتِ بنخلة...
ذات مغرب لما كنت الى جوار ابي جالس ..اطالع ...دفعة واحدة صاح ابي : طارق...طارق ...اريد منك ان تذهب الى بيت برويز و تدعوه ليتناول الرطب من نخلاتنا...
بعد دقائق قليلة كان برويز يقطف الرطب واحدة بعد الأخرى و يأكلهن بشهية و ولع بالغين...
اقترب منه ابي و خاطبه بحماس ملحوظ : الآن ما هو رأيك في النخلة العربية أ ما زلت تتهرب منها ؟
تلعثم جارنا برويز ليرد : لا...لا يا ابا طارق ...ان رطب البرحية لأشهى من رطب اي نخلة اخرى ...
وانا تراجعت عن موقفي ازاءها و لابد ان آتي بواحدة منهن...لابد..لابد...
و استمر متمتما...؛
-ابا طارق اريد ان تعطيني نخلة من نخيل قريتكم...
-لكن يا سيد برويز...ما من فسحة لشتل النخلة في بيتك...
-لا تهتم يا ابا طارق...سوف اجد لها حلا...
-اذاً ... لو ذهبت الى قريتنا اجلب لك برحية...
بعد اسبوع جاء برويز لابي ...
-لقد جهزت كل شئ لشتل نخلة في البيت وقد حان دورك يا...
في غدها ذهبا معا الى قريتنا و جلبا معهم نخلة برحية صغيرة...و شتلاها وسط الاسمنت في حفرة ضيقة تشبه لحد الطفل...!
مرت السنون العديدة و نخلة برويز البرحية كما هي صغيرة مثلما كانت في يوم شتلها في هذا المكان...
و واضح ان النخلة لم تستطع ان تنمو لأن جذورها محاصرة و مسجونة بالاسمنت ....
صار ابي يلوم نفسها لعدم نمو البرحية كثيرا ويشعر بالذنب اكثر...ثم يلقي بالائمة والخطيئة نفسهما على برويز...فتعب برويز من لوم ابي وصاح به : سوف اقلعها و ارمي بها بعيدا...فتشاجر ابي معه غاضبا قائلا : لا ارضى منك ابدا اذا قتلت برحيتنا العربية...و لسوف ...
وهكذا استمرت هذه المشكلة اكثر من عقد دون اي حل...محزنة ايانا جميعاً و خاصة اهلي حيث كان حزننا مركب ، من جانب ؛ كنا نعتبرها ابنتا العربية و من جانب آخر؛ نحن الذين جلبناها من مكانها الى مكان غريب لها...
منذ مدة صرت ازور بيت برويز بحجة جمشيد ابنه الاكبر لأتوجع مع البرحية الغريبة الاسيرة...
ذات صباح و بعد بضع ايام زرت البرحية...ولما طفت حولها ...شاهدت عصفورا يزقزق حزينا و بحماس...فأستمعتُ له بكل قلبي...فاذا بي اسمعه يغني باكيا نائحا :
برحيّة يا برحيّه
ميته انتی لو حیّه
لو متی اموتن ویاچ
لو عشتی اعیشن...خَیَّه...