رواية: حي العامري

للكاتب والصحفي عمار تاسائي( المصدر مدونة الكاتب)

www.alahwaz.nl

الجزء الاول

اقتربت عقارب الساعة من السابعة صباحا و اكتست شوارع احياء و ضواحي مدينة الاهواز بوشاح الملابس  السوداء و الداكنة لفتايات المدارس  من مختلف المراحل وعجت الطراقات بعويل و صياح التلاميذ و الاولاد الذين راحو يصرخون و يعبثون بكل شي يقع في طريقهم و راح هذا التيار العارم ليتكدس في باصات النقل العام و محطاتها. و كعادته نهض ابراهيم متاخرامن نومه في ذلك اليوم من خريف عام 1371/1992و بالرغم من مداهمة الوقت له، لم يسعي لتناول فطوره بسرعة، و احتسي عددا كافيا من اكوب شاي بهدوء، ثم اخذ كتبه و مشط شعره بيده و ترك ثمة خصلات من شعره   الاسود علي جبينه و هرول في الزقاق المزدحم الضيق الذي يصله الي محطة الباص في حي آخر آسفالت.

اجتاز ابراهيم للتوء  مرحلة المراهقة بصخبها و جنونها وهو الان علي اعتاب مرحلة جديدة من حياته حيث اخذ يجرب احاسيس و ميول لم يعتدها من قبل و كان الاهتمام بالمنظر احد تبعاتها، فاخذ الشاب يسعي لاختيار ملابس جميلة و انيقة و يختال امام مثيلاته في العمر.

وقف علي حافة الطريق و كانت تفصله عن محطة الباص بضعة امتار، و قد غادرها معظم التلاميذ و لم يبقي سوي عدد من التلاميذ  معروف بتكاسله و تساهله بالنسبة لارتياد المدرسه في الوقت المحدد و سكوت المحطة جعل القلق يتسلل الي قلبه و لم يكن يعكر سكوتها سوي بائع سجائر عراقي كان يحاول و بصوت جهوري  ايضاح ملابسات احتلال العراق للكويت عام 1990 لاحد زبائنه الذي يبدو كان لا يكترث الا لاشعال السيجاره و وضعها بين شفاهه.

وبعد الاستماع لمحاضرة بائع السجائر الذي احب لو كان لديه وقت اطول ليستمع اليه كاملة لكن كان عليه الذهاب ، قرر ان يستقل سيارة تكسي و دفع مبلغا مال اكبر، بدلا من الباص الذي لم يصل الي المحطة حتي تلك اللحظة.

 و بعد رحلة قاسية وسط الزحام تمكن من الوصل الي باب المدرسة و طار فرحا عندما راي الساعة قد تجاوزت الثامنه و النصف و ان الباب غير موصد بوجهه كما في المرات السابقة عندما كان يرغم علي الانتظار خلف الباب ربما لربع ساعة حتي ياتي الفراش و يفتحه بتافف و عدم ارتياح.

دخل الصف و هوعبارة عن غرفة واسعة اصطفت فيها منضدات و كراسي خشبية علي قوائم من حديد و كانت غيمة من الغبار تتوسط الصف اثارها شغب الطلاب الذي حملوه معهم من مرحلة الطفولة و دخولهم المدرسة الثانوية لم يدفعهم ال نسيان ماكانوا يقومون به في ايام خلت من مرح و عراك.

لم يشاء ان ينتبه لدخوله احد لذلك تسلسل و حيا زملاءه الذين يحيطون به بحياء و هدوء و لو كان الجالسون يرونه لاول مره، لظنوا انه مغرور و يصنف في ذلك الصنف من  البشر الذي لايحبذ و لا يطاق، لكن السنوات الثلاث الذي قضوها معن، عرفتهم به بافضل صوره فكان مرحا لايعرف الكسل و متكلما يمد اصحابه بكل ما هو جديد و دائما يتطلع الي حالة افضل في الحياة يكره مخالطة الرعاع و يتوق الي المعلومة و يثمن الصداقة و الصديق.

لم يمضي علي دخوله الصف بضع دقائق حتي دخل المعلم و كان قصيره القامة، حاد النظرلم يترك الزمان علي راسع الا قليل من الشعر الابيض الذي يخالطه سواد علي جانبي راسه المدور الذي يشبه الكره و نهض الطلاب بكسل تحية له و علت اصوات المنضدات و الكراسي عند نهوضهم اثر اصتدامها بعضها ببعض.

جلس المعلم علي كرسيه و حاول الطلاب ادراجه الي الخوض في حديث ما،و ليس موضع الحديث مهما بل قدره علي جلب اهتمام المعلم لمواصلته بغية تاجيل بداية الحصة الدراسية قدر المستطاع لغرض الاستمتاع و المزاح فقط.

بعد دقائق من الحديث بين المعلم و الطلاب تقدم المعلم الي منضدة في الامام و اخذ كتاب  الفيزياءو كانت مادته الحصة الدراسيه لتلك الساعة و اهمل حديث بعض المشاغبين و كانه ادرك ما يرمون اليه من وراء حديثم هذا اي انهم يردون تاجيل بداية الحصة الدراسية.

و شرع في شرح و كتابة ارقام و احروف انجليزية و لم يجد الشاب اي صعوبة في التركيز و فهم ما يتفوه به المعلم و ربما كان يسبقه بخطوات في معرفة اجوبة اسئلة الكتاب التي كان المعلم يسعي الي حلها و شرحها للطلاب.و غاص فيما في ما يراه مكتوبا علي السبوره و ما يقوله المعلم حتي انه لم ينتبه ان جرس الراحة قد دق و كان عليهم الانصراف الي باحة المدرسة لمدة 10 دقائق او اكثر بقليل حتي ان وخزه ماجد، الذي كان يجلس خلفه و كان صديقا له ايضا، قائلا:

-انهض يا بروفيسور انتهي الصف!

-امهلني بضع دقائق فقط و سأتي

-انا و سلمان في الساحة الحق بنا

_هز رأسه تائيدا و استمر في الكتابة،بدا و كانه منزعج و لكن علي العكس فماجد و سلمان و امير هم افضل اصدقاءه.

ونظر الي حيث راح يمشي صديقه القصير القامة بخطوات ثابته حتي غاب عن بصره و كانه تمني لو انه ينتهي بسرعه ليجد وقتا كافيا للحديث مع اصدقاءه خاصة وانه كان يحب ماجد و يحب احاديثه حول التقاليد القبلية و يحاول ان يشفي غليل نقص معلوماته عن طريقه و كان ماجد يعتز بمرفته بانساب القبائل العربية كما انه  يمتازعلي نظرائه بقوة عضلاته، وكان ذوفك بارز و طويل و وجه اسمر و يلقبونه بـ«الحنطاوي» نظرا لشباهة لون بشرته بلون الحنطة و كان يرتاد المدرسة كل يوم قادماً من قرية موران يوميا متجشماً عناء طريق طوله اكثر من 25 كيلو مترا و الي جانب الدراسة،  كان ماجد يعمل مع والده و اخوانه الخمسة في حقلهم الذي يثمر سنويا اطنا من التمور و الخضروات،وربما لذلك كان يحبذ ان يكون  محور حديثه حول زراعة النخيل اوالخوض في سرد عن التقاليد القبلية و من اي قبيلة انت؟ هو  سواله الاول، عندما يريد التعرف علي احد.

كتب آخر ملاحضاته و و هرول بسرعة ليلتحق باصحابه في باحة المدرسة التي تحيط بها الصفوف من جميع الجهات، و وجدهم يختالون قرب عمود يستخدم لنشر شبك كرة اليد في الحصة المخصصة للرياضة، فيما  كان يعج المحل بالصياح والاصوات الغريبة التي كان مصدرها الطلاب الذين يسخرون من كل شيءو لا يلزمهم شئ سوي  وخز كلمات مساعد المدير السيد عبيات و عصاه الذي لا يئلو جهداً في استخدامها اذا تتطلب الامر .

حيا اصدقاءه جميعاً و تفقد احوالهم و كالمعتاد وجد الحديث ساخناً، و كان سلمان يحكي قصة الافعي الذي وجده في حقل الفول و كان طوله ثلاثة امتار، و يشرح كيف انه تمكن من قتله و بعد وقفة قصيرة لتحية صديقهم واصل سلمان حديثه عن آلافعي و لم ينته من حديثه الا بعد دخول معلم الكمياء الصف.

خرج ابراهيم  باب المدرسة و التحق به سلمان و من ثم طالب آخر من الصف الاول كان يدعي يوسف ،سمين، وجناته ورديتان و لا زال في اجواء الطفواله و لكنه يحاول ان يماشي من هم اكبر منه سناً. ساروا في شارع ضيق يملئه ضجيج تلاميذ من مختلف المراحل من الجنسين و بالرغم انهم في فصل يقال له الخريف الا ان حرارة الشمس تتطلب السير في ظلال المباني و الاشجارو بعد ربع ساعة من السير علي الاقدام  وصلوا الي حيث يركبون الباص و هنا كان عليهم ان يفترقوا فوجهة ابراهيم تصبح حي العامري و يوسف و سلمان كان عليهم التوجه الي قلعة كنعان في ضاحية الاهواز.

عاد ابراهيم الي المنزل منهك من التعب و الجوع و سرعان ما وجد سمكة مشوية تنتظره في طبق معدني(صينيه) احضرتها امه التي كانت امرأة في الخمسين من عمرها و رغم ذلك فلازال شئ من ملامح الشباب و جماله يجعلها تبدو جميلة وكانت بهيه،  ام ابراهيم كما كانوا ينادونها قلما ترتدي الملابس العربية التقليدية: الشيلة و الثوب و تستسيق الملابس الغربية الحديثة و ربما ورثتها من تلك الايام  التي قضتها في المدرسة في زمن الشاة حيث كان علي جميع الطلاب و الطالبات ارتداء زي موحد. جلست ام ابراهيم  جنبه و كأنها تريد مراقبته حتي لايترك من السمكة شئ. وحاولت تجد شئ لتبدا الحديث مع فلذة كبدها فلم تجد افضل من ان تسئله عما اذا كان قد استمتع بالسمك فأجابها بجمل تمجيد قصيرة، كانت كافية لادخال السرور الي قلب المرأة.

اخذ وسادة وطيئه و استلقي علي بطانية في الديوانية(غرفة الضيوف) و كان جوها خانقاً اخذ يحدق في شعاع نور يتسلل الي الغرفة من بين ستائر النافذة اطبق جفنه لم تمضي هنيهة حتي دخلت الغرفة والدته و قالت:

-لا تنام هنا !

-لماذا؟

-ام حميد اتصلت و قالت انه تريد ان تأتي لزيارتنا!

-ام حميد! و ماذا تريد؟

-لا علم لي

نهض بكسل حاملا معه الوسادة و غادر الغرفة وارتسمت صورة ام حميد جارتهم القديمة التي انتقلت من حيهم قبل عشر سنوات و كانت امرأة في منتهي الصدق و الكرم و جميع اهل الحي يتذكرون طعامها الذيذ الذي كانت توزعه  علي الجيران في ايام شهر رمضان الكريم.

و شعر بحزن شديد رغم مرور عدة اعوام، عندما تذكر صراخها و عويلها حين سمعت بخبر وفاة زوجها الذي مات في حادث مروع في شركة الفولاذ، و انها لم تلبث طويلا في الحي بعد وفاة  زوجهاو انتقلت الي كيان بارس للسكن في شقة تجاور بيت اهلها، قطنت هناك و رفضت جميع العروض السخية للزواج وكان بامكانها الزواج من رجل متمول يوفر لها حياة مرفهة دون مشقة و عناء لكنها عكفت علي تربية ابنها حميد و ابنتها سعاد لتحافظ علي حبها لزوجها الفقيد.

استلقي في الغرفة الخلفية لم يكترث لتساءولات ذهنه الذي لا يتوقف عن الاستطلاع، عن سبب زيارة ام حميد  و راح ليستسلم للنوم.

افاق من نومه اثر صوت امه و اخته فيما رائحة بخور العود ملائت بيتهم الموءلف من ممر و غرف اربعة، كانتا الام و البنت يستقبلنا ام حميد، و سرعان ما امتلاء البيت بضجيج نسائي حرمه من النوم.

فنهض و  غاص في واحد من كتبه لكنه لم يستطع التركيز علي الكتاب فراح و سلم علي ام حميد و سألها عن احوال حميد فعرف انه اصبح مهندسا يعمل في السد.

ثم شكرها و حملها سلامه و تحياته لحميد و خرج من البيت.

و لم يعد الي البيت الا عندما دوي صوت اموذن في ازقة حي العامري يدعو الناس لصلاة المغرب.حيا والده الذي كان يتهياء للصلاةو دخل غرفته و لم يخرج الا عندما كانت مائدة العشاء جاهزه تماما، فوجد والديه يتكلمان و كانهما لديهما لغز فعرف ان هناك ما يشغل بالهما رغم ذلك لم يزعج اي منهما بالسوءال و ظل يراقب حديث الاشارة و الايماء حتي عرف ان زيارة ام حميد لم تكن كزيارتها الاخري.

خرج من الغرفة و ترك والديه لحديثهما و لكن شئ من الفضول جعله يسترق السمع و هو يحدق في كاتبه الدراسي.

كانت الام تتكلم بسرعة و لكن اجابات الاب كانت فاترة و تخرج ببطئ و و اخذ يتابع مسار حديثهما حتي عرف الغاية وان اصرار امه علي الموضوع كان دليل علي موافقتها مع زواج ابنتها من حميد و عندما رات ان حديثها مع الاب عن طريق الاشارة لا يعطي النتيجة المطلوبة  دخلت في الموضوع مباشرة:

- زواج بنتنا من ابن ام حميد هو امر جيد، حميد شاب لديه وظيفة محترمة و راتب عالي كما انه لاينقصه شي من مواصفات الجمال و الاهم نعرفه و نعرف اهله جيدا عشنا في حي واحد لسنوات و لانري منه او من والده المرحوم اي سوء.

-لكن ؟

-لكن ماذا؟ لو ادري فقط لماذا انت غير جاد في الموضوع!

-ليس الموضع الجدية او عدمها و انما حدثني احد اقاربي و طلب يدها لابنه اقصد فرحان!

-ابنتي تتزوج من فرحان هذا المتسكع، هل جننت يا رجل؟

احس الرجل و كان المراة تحاول فرض سيطرتها عليه و تحاول النيل من اقاربه فكان رده سريع و موجز.

-جميع الشباب يجربون التسكع في فترة من حياتهم لكن هذا ليس موضوعنا لكن قولي لي ما هو راي فريال هل انها موافقه ام ترفض الزواج كما حدث في السابق.

- لم احدثها بعد لكن اعتقد انها موافقة.

اذا لنسمع راي البنت اولا ثم ننقاقش الموضوع.

نهضت المراة و غادرت الغرفة متجهة نحو غرفة ابنتها بينما وجد الرجل الفرصة سانحه لاحتساء الشاي و الاستماع الي الراديو.

تمني لو ان الفتاة تقبل بالزواج و يصبح باله فارغاوكان يشعر بالمسولية تجاه ابنته و التي كان يحبها اكثر من اي شي في العالم و كان يدفع لها مسررورا اي مبلغ من المال تطلبه و ينفذ ما تريد بالحرف الواحدخاصة و ان وظيفته في شركة البترول و السنوات الخمس و العشرين التي قضاها هناك امنت له حياة مرفه و استطاع من خلال العمل هناك شراء بيت فخم في افضل نقطة من مدينة الاهواز رغم انه كان يفضل السكن في حي العامري و ازقته الضيقة و اجر البيت لشركة اجنيبة.

عندما غادرت امه لتحدث الفتاة بشأن الزواج خيم صمت  رهيب علي البت، كانه كان يشير الي بداية مرحلة جديدة في حياة عائلة شنان، وهنا وجد ابراهيم وقتا للتفكير بالموضوع بعد ان انتهي من التركيز لسماع حديث والديه.

تذكر حميد ذلك الشاب الرائع و تلك الايام التي خلت عندما كانوا يسكنون الحي لا تفصلهم عن بيتهم الا بضع بيوت و تمني لو يوافق الجميع علي هذا الزواج فحميد شاب جيد ذو اخلاق عاليةكما ان شأنه المادي جيد جداً بالاضافة الي ذلك، فبامكانه تعلم الكثير من الاشياء منه فحميد يكبره بسبع سنوات، لازال يتذكره جيدا عندما كان يمر متأبطا جريدة او كتاب، داهمه احساس غريب لم يشعر به من قبل  لا يعرف سبب هذا الاحساس و بقي مستلقياً حتي حان موعد النوم فتحرك قليلا من مكانه و اسند رأسه الي الوسادة

11-01-2009