|
|
قصة قصيرة جنون خرائط الملح علي كاظم داود- المصدرموقع عراق الكلمة
... سيكون هناك معولٌ دائماً ، كي يتحطم شيء ما ... ليس لأحد أن يتهمه بالجنون لولا "دشداشته" الرمادية المليئة بالتخطيطات العَرَقية العشوائية الشبيهة بالخرائط ، وطريقته الغريبة في التدخين .. ورغم أني أعرفه جيدا إلا انه كثيرا ما شغلني وأثار فضولي ، فلطالما تساءلت عن حقيقته ، وهل يمكن أن يكون عنصراً مخابراتياً تخفّى تحت قناع الجنون ؟! ... كنا نراهم في كل الوجوه ؛ في المتسولين ، في المجانين ، في المارة ، وفي كل شيء ؛ في سماعة الهاتف ، في ظروف الرسائل ، خلف النوافذ ، وتحت الوسائد أحيانا ... كنت اعتني بمحادثته عند مجيئه اليومي لسوق "العلافين" الذي كنت اعمل فيه ، أبيع السجائر ، وهو يحاول استمالتي دائما ليحصل على سيجارة أو اثنتين ، فاستغل نقطة ضعفه هذه كي اشبع فضولي ، فاسأله واستنطقه وأحاول جرجرته في الحديث لكي اسمع حكاياته الجنونية ، أكثرها يجعلني انفجر ضحكا وبعضها يجعلني أتحسس حزنا دفينا يقبع في ذات مستلبة .. لكن عليّ أولا ترتيب كلماته المتناثرة أو المتقاطعة وفكّ خيوطها المتشابكة .. حتى ليحيرني أحيانا فأضلّ ابحث عن حلقة مفقودة أو قطعة لم أجدها لتكتمل لديّ الصورة. مرة سألته إن كان سعيدا أم لا ، فقال انه يبقى سعيدا ما دامت في جيبه سجائر (حدثت نفسي بان لأيٍّ أن يصنع له سعادةً من نوع ما يعيش بها ومن أجلها) .. سألته عما يتمناه في حياته ، فقال انه يتمنى أن تموت أمه أو يتخلص منها لأنها تربطه بالسلاسل وتحبسه في الساحة الخلفية الضيقة لمنزلهم طوال الليل بحجة انه لا يكف عن الصراخ ؛ هذه الحجة التي ينكرها تماما وينفي إن كان قد أطلق صرخة واحدة .. قلت له ولكن أليست هي من يعطيك الطعام ، فردّ إنها لا تعطيه الطعام في صحن وإنما في قدر كبير ، اكبر من فمه ، وضحك كثيرا عندما تذكّر فعلة فعلها يوما بالقدر احتجاجا على استبداد أمه به .. فضحكت وقلت له : هل عاقبتك؟ قال: لا ، ولكنها غيرت القدر بقدر آخر. كنت اقرأ واسمع عن مجانين كانت المدن تنثني لحكمتهم ، فأسأل نفسي هل يمكن أن يكون "عويّس" أحدهم؟. سوق العلافين صاخب بالزعيق والصياح والضجيج ، دائب في العمل وكسب الرزق ، خلا أوقات الظهيرة إذ يخلو من المتسوقين أو يكاد ، فيقضي الباعة فيه ظهيرتهم بالمزاح والترهات والتسلي بأشياء أخرى منها مجانين السوق رواده الدائمون ، وواحد منهم عويّس الذي كان لا يطيق مماحكات الباعة له ، فما إن يغيضونه أو يرشّونه بالماء أو يضربونه بالطماطم التالفة و قشور الرقي حتى يثور عليهم ولا يبقي شتيمة ولا بذاءة يعرفها إلا أطلقها نحوهم .. كان يقول لي انه يرى هؤلاء مخبولون أيضا بل انه يرى نفسه أعقل منهم . مرةً علت ضجة الظهيرة المعتادة من الباعة عند دخول احد المجانين إلى السوق ، نظرت فإذا به عويّس وقد تخلى عن دشداشته ، وارتدى بدلة عسكرية زيتونية اللون ، ترتسم عليها خرائط الملح أيضا ، وتمنطق بنطاق عسكري صدئ الحلقات واعتمر بيرية سوداء ذهب لونها فصارت أشبه بالحمراء وفيها أكثر من ثقب برزت منه نتف شعره الأشيب ، صدره مليء بالنياشين المعدنية اللامعة ، لا اعرف من أين أتى بها! .. شق عويّس الصياح المتعالي المختلف بعض الشيء عن سوابقه فقد تخللته نبرة من التحية للهيئة الجديدة له ، وصل إلى واحد من المحلات المغلقة واعتلى دكته ، وقف منتصبا نافخا صدره ناظرا إلى الباعة وهم يحيونه ويصفقون ويضحكون ، فرفع يده اليمنى ملوحا لهم كأنهم رعيته .. فجأة سكت الصراخ وتلاشى في الحناجر .. أشاح الجميع بأبصارهم عنه سريعا ، بينما وقفتُ منذهلا أسأل نفسي : هل يمكن أن يكون لمجنون رعية ، شعب من المجانين مثلا !!؟ فالناس على قدر عقول ملوكهم!. في اليوم التالي عاد إلى دشداشته المعهودة ، ناديته وأشرت إليه بسيجارة ، هرول نحوي ، فاشترطت عليه مقابل السيجارة أن يجلس لكي يحدثني عن أسئلة في نفسي فوافق ، وبعد أن أشعلها وعضّها بأسنانه كعادته تاركا فتحة جانبية لخروج الدخان منها بشكل متواصل مثل مرجل بخاري ، سألته عن سبب ارتدائه الملابس العسكرية أمس ، فقال إن له مع هذه الملابس تذكارا جنونيا ورغم انه لا يطيقها الا أن على الجميع أن يلبسونها .. واضافة إلى ذلك فهو يفعل ما يريد لأنه مجنون قد رفع عنه التكليف ؛ رضيت منه بهذا الكلام وسألته عن تلك التخطيطات الملحية التي تشبه الخرائط ولماذا لا تفارقه ، فبقي ساكتا ونظر إلي كما ينظر العقلاء للمجانين .. عاد إلي شكي القديم بكونه من رجال المخابرات فأسرعت بإعطائه سيجارة أخرى وقلت له : انصرف. لقد سمعت أكثر من مرة انه كان عاقلا وجنونه طرأ عليه قبل سنوات ، فصار شغلي الدائم في أوقات حضوره هو معرفة سبب جنونه ، سألته مرة عما يتذكره من سنيّ طفولته فأخذ بالحديث عن تحمّله مسؤولية عائلته المكونة من أم وأربع أخوات مذ كان صغيرا ، لان والده قد سجن ثم اعدم لاتهامه بالانتماء لحزب محظور .. فعمل في بيع الثلج صيفا والنفط الأبيض شتاءا ولهذا لم يكمل دراسته .. قال بأنه جاع كثيرا هو وعائلته ، باتوا ليالي كثيرة بلا طعام ، وغدا شبح الجوع زائر دائم لهم .. وعندما بلغ الثامنة عشرة تطوع في الجيش برتبة نائب ضابط .. شارك في حروب كثيرة في أماكن كثيرة على خارطة العراق ، وخرائط أخرى .. أنهت خدمته بعد أعوام كثيرة ـ لا يتذكرها بالضبط ـ لجنة "شرحبيل" لأسباب صحية .. قال إن اسمه كان في دفتر الخدمة العسكرية هو "عيسى" وهو لا يعرف لماذا يناديه الجميع عويّس ، واستدرك : لكن أية قيمة للاسم إذا ذهب العقل!. الشيء الذي كان يبهرني فيه انه لا ينكر جنونه (كم جميل أن يعترف المرء بالجنون) بل انه يتخذه وسيلة لاستجداء عطايا الناس واستمالة عطفهم ، فطالما واجهني ـ بعينين شاخ فيهما الذبول ـ بجملته العتيدة : سيجارة لأخيك المخبول. الحكاية الأهم التي استجمعت مشاهدها من خلال جلساته الطويلة معي هي عن تلك الليلة التي تحولت به عن مسار حياته السابقة .. حيث كان من ضمن القطعات العسكرية التي قامت باحتلال الكويت ، وبقي فيها حتى ليلة 16/17 كانون الثاني عام 1991 وبدء عمليات عاصفة الصحراء . في ليلته المشتعلة تلك مرت عليه أحداث كثيرة بلمح البرق لا يمكن لأي إنسان تحملها .. أشخاص كثر كانوا يقاسمونه مائدة العشاء قبل ساعات وآخرون طالما تذمر من أوامرهم ـ سراً ـ شاهد بعينيه كيف تناثرت أشلاؤهم أو قضوا حرقا .. أدمغة بيضاء اختلطت بالرمال وأجساد مزقها الأنين تحت الأنقاض .. الشظايا كرشق زخّات الخوف ، وأصوات الانفجارات كارتطامات رعب مريعة ، عاش في لحظات قليلة اجتياحاتها لبواطن روحه وتحطيمها المتواصل لما تبقى في دواخله من عزيمة وتثبت .. لم يعد باستطاعته تحمل انتظار وصول سحابة الموت لكي تظلّله ، كان ينظر إليها ، وهي تسير نحوه ، بخبث وئيد .. وفي لحظة انهيار تام لجدار ما ، ركض نحوها ، ركض وهو يصرخ مثلما لم يصرخ إنسان من قبل. بعدها قيل له لقد جننت ، قال : ليس منذ اليوم. قاص عراقي |
|